فهرس الكتاب
ويقول في المرتية الحسبية الرابعة من الشعاع نفسه ما يأتي:
"وافقتْ العوارض المزلزلة لكياني أمثال الشيب والغربة والمرض وكوني مغلوبًا على أمري، فترة غفلتي، وكأن وجودي الذي أتعلق به بشدة يذهب إلى العدم، بل وجود المخلوقات كلها يفنى وينتهي إلى الزوال.. ولّد عندي ذهاب الجميع إلى العدم قلقًا شديدًا واضطرابًا أليمًا فراجعت الآية الكريمة أيضًا (حَسبُنا الله ونِعمَ الوَكيل) فقالت لي:"تدبّر في معانيّ، وانظر إليها بمنظار الإيمان". وأنا بدوري نظرت إلى معانيها بعين الإيمان فرأيت:"
إن وجودي الذي هو ذرة صغيرة جدًا، مرآة ٌ لوجود غير محدود، ووسيلة للظفر بأنواع من وجود غير محدود بانبساط غير متناهٍ.. وهو بمثابة كلمة حكيمة تثمر من أنواع الوجود الكثيرة الباقية ما هو اكثر قيمة من وجودي وأعلى منه نفاسة حتى أن لحظة عيش له من حيث انتسابه الإيماني ثمين جدًا، وله قيمة عالية كقيمة وجودٍ أبدي دائم، فعلمت كل ذلك بعلم اليقين؛ لأنه أدركت بالشعور الإيماني أن وجودي هذا أثرٌ من آثار واجب الوجود وصنعةٌ من صنعته وجلوة من جلواته. فنجوت من ظلمات لا حدّ لها تورثها أوهام موحشة، وتخلصت من آلام لا حدّ لها نابعة من افتراقات وفراقات غير متناهية، ودفعتني لأمدّ روابط اخوة وثيقة إلى جميع الموجودات ولاسيما إلى ذوي الحياة، روابط بعدد الأفعال والأسماء الإلهية المتعلقة بالموجودات. وعلمت أن هناك وصالًا دائمًا مع جميع ما أحبه من الموجودات من خلال فراق مؤقت" (1) ."
ثم انظر من خلال المناجاة الآتية إلى المعاني الجليلة التي أوحت له بها الآية الكريمة (حسبنا الله ونعم الوكيل) فيقول:
"إذ هو الموجد الموجود الباقي فلا بأس بزوال الموجودات لدوام الوجود المحبوب ببقاء موجِدِه الواجب الوجود.."
وهو الصانع الفاطر الباقي فلا حُزن على زوال المصنوع لبقاء مدار المحبة في صانعه.
(1) الشعاعات ص 79