فهرس الكتاب
3-الإفراط في العزة وعلو الهمة، والغلو في الشعور بالقوة، وتوهم الاستغناء وعدم الحاجة إلي التأييد والمآزرة:
إن اختلاف أهل الحق والهداية قد يكون من سوء استعمال علو الهمة والإفراط فيه، وذلك أن المرء قد يحرص على ثواب الآخرة من أعماله، لكنه قد يتخذ وضعا منافسا لأخيه الذي هو في حاجة إلى محبته والأخذ بيده (( كأن يقول-مثلا- لأغنم أنا بهذا الثواب ولأرشد أنا هؤلاء الناس وليسمعوا مني وحدي الكلام، وأمثالها من طلب المزيد من الثواب لنفسه. أو يقول: لماذا يذهب تلاميذي إلى فلان وفلان؟ ولماذا لا يبلغ تلاميذي عدد تلاميذه وزيادة. فتجد روح الأنانية لديه- بهذا الحوار الداخلي- الفرصة سانحة لترفع رأسها وتبرز… فيفوته الإخلاص وينسد دونه بابه، بينما ينفتح باب الرياء له على مصراعيه… فحصر النظر بأن يؤخذ الدرس والإرشاد مني فقط لأفوز بالثواب الأخروي هو حيلة النفس وخديعة الأنانية ) ) (1) . وعدم اتفاق أهل الهداية قد يكون من عدم شعورهم بالحاجة إلي القوة بسبب توكلهم على الله عز وجل والاستسلام اليه، لكن ذلك قد يكون على غير وجهه عندما يفضي بالمرء إلى القعود عن تعاطي الأسباب، ومنها التزام جماعة المسلمين والتعاون معهم والاستزادة بهم من القوة المادية والمعنوية. ولهذا ورد في القرآن الكريم آيات كثيرة تحث على أخذ جميع أنواع الأسباب والعدة، والتحذير من الركون إلى وعد الله بالنصر من غير أخذ الأسباب التي نيط بها هذا النصر. من ذلك مثلا قوله تعالى:"وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ" (البقرة 195) .
(1) - (( اللمعات ) )ص 230-231.