الصفحة 391 من 3036

القسم الثاني من العمال هم النباتات والجمادات، وهؤلاء العمال لا مرتب لهم ولا مكافأة، لأن لا اختيار لهم، فأعمالهم خالصة لوجه اللّه، وحاصلة بمحض إرادته سبحانه وباسمه وفي سبيله، وبحوله وقوته، إلا أنه يستشعر من أحوال النباتات أن لها نوعًا من التلذذ في أدائها وظائفها في التلقيح والتوليد وإنماء الثمار، إلا أنها لا تتألم قط بخلاف الحيوانات التي لها الآم ممزوجة باللذائذ حيث إن لها اختيارًا، ولأجل عدم الاختيار في أعمال النباتات والجمادات تكون أثارهما أتقن وأكمل من أعمال الحيوانات التي لها اختيار.

القسم الثالث من العمال في قصر الكون، هو الحيوانات، وحيث إن الحيوانات لها نفس مشتهية، واختيار جزئي، فلا تكون أعمالها خالصة لوجه اللّه، بل تستخرج النفس حظها وشهوتها من عملها، لذا يمنح مالك الملك ذو الجلال والإكرام أجرة ومرتبًا ضمن أعمالها، تطمئن نفوسها وتشبعها.

القسم الرابع هو الإنسان، فالإنسان الذي هو من أنواع الخدم العاملين في هذا القصر، قصر الكون، هذا الإنسان شبيه بالملائكة وشبيه بالحيوان من جهة أخرى، إذ يشبه الملائكة في العبادة الكلية، وشمول الإشراف وإحاطة المعرفة، وكونه داعيًا إلى الربوبية الجليلة، بل الإنسان هو أكثر جامعية من الملائكة، لأنه يحمل نفسًا شريرة شهوية - بخلاف الملائكة - وأمامه نجدان، له أن يختار، إما رقيًا عظيمًا، أو تدنيًا مريعًا، ووجه شبه الإنسان بالحيوان هو أنه يبحث في أعماله عن حظ لنفسه، وحصة لذاته". (1) "

ويفهم مما مضى ذكره أن مخلوقات اللّه تعالى وإن اشتركت جميعها في صفة العبودية، إلا أن عبادتهم من حيث هي إظهار للخضوع وأداء للتكاليف تقسم إلى نوعين:

أولهما: عبادة تسخير أو بالتسخير، وذلك للحيوانات والجمادات وما في حكمها، فهي تساق جميعها لتؤدي أعمالًا، لا أقول كرهًا، بل قهرًا وبلا إرادة، وبدون عوض ولا تعويض.

(1) الكلمات- النورسي ص 407،406،404

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت