فهرس الكتاب
ظل الرجل على فقره وشدة احتياجه، وطوال المراحل التي مر بها في طريقه إلى رأس المنارة يتسلم هدايا قيمة، وبلا مقابل، وعند وصوله إلى القمة أُهدي إليه أيضًا هدية أخرى أفضل وأعظم، ولكنه بدلًا من تقديم أسمى آيات الشكر والامتنان لذلك الواجب، نراه وبلا سبب معقول يتوجع ويشكو مر الشكوى من قلة طول المنارة وقصرها الذي وقف بها عند حد لا يتفق ورغباته.
فحال المريض الذي لا يكف عن التذمر والتنكر لنعم اللّه عليه يشبه حال ذلك المسكين. فيقول النورسي في شرحه له:
"وهكذا يأتي هذا الإنسان ويظهر الشكوى من عدم تمتعه بالصحة والعافية نتيجة بعض العوارض، أو لإضاعته النعم بسوء اختياره، أو من سوء الاستعمال، أو لعجزه عن الوصول إليها، ثم يقول:"
يا ويلتا ماذا جنيت حتى حل بي ما حل.
ناطقًا بما يشي بانتقاد الربوبية الإلهية، فهذه الحالة هي مرض معنوي ومصيبة أكبر من المرض المادي والمصيبة التي هو فيها، فهو يزيد مرضه بالشكوى، كمن يتصارع ويده مرضوضة، لكن العاقل يتمثل قوله تعالى:
{ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للّه وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ } (1)
صابرًا حتى ينتهي ذلك المرض من أداء وظيفته ويمضي إلى شأنه" (2) )"
والمراد أن من يتذمر أو يتوجع، فكأنما يشكو اللّه لعباده، أو على أقل تقدير يظهر حكمه وقضاءه وقدره فيه كما لو كان أمر لا ينبغي ولا يجوز صدوره منه عز وجل، أو عيبًا لا يليق بالذات الإلهية، وذلك التنكر والإنكار هو في حد ذاته مرض أجلّ وأخطر وأشد إيلامًا للنفس والبدن من المرض الذي أودى به إلى هذه الحالة من كفران للنعم، واتهام للّه تعالى في أحكامه.
الفصل السادس
السلوك
الحرص والقناعة
(1) البقرة/ 156
(2) اللمعات - النورسي ص 332