فهرس الكتاب
أما المثل الذي ساقه محذرًا فيه من مغبة ذلك الخوف المرضي فرواه من واقع تجربة شخصية مرت به، حيث قال:
"جئت ذات مساء إلى جسر استانبول وبصحبتي عالم جليل (رحمه اللّه) ، يتهيب ركوب الزورق، ولكننا لم نجد وساطة نقل سوى الزورق، ونحن مضطرون إلى الذهاب إلى جامع أبي أيوب الأنصاري، فألمحت عليه، إذ لا حيلة لنا إلا ركوبه، فقال:"
أخاف، ربما نغرق.
قلت له:
كم يقدر عدد الزوارق في هذا الخليج.
قال:
ربما ألف زورق.
قلت:
كم زورقًا يغرق في السنة؟
قال:
زورق أو زورقان، وقد لا يغرق في بعض سنين.
قلت:
كم يومًا في السنة؟
قال:
ثلاثمائة وستون يومًا.
قلت:
إن احتمال الغرق الذي استحوذ على ذهنك، وأثار فيك الخوف هو احتمال واحد من بين ثلاثمائة وستين ألف احتمال، فالذي يخاف من هذا الاحتمال لا يعد إنسانًا ولا حيوانًا.
ثم قلت له:
ترى كم تقدر أن تعيش بعد الآن؟
قال:
أنا شيخ كبير ربما أعيش عشر سنوات أخرى.
قلت:
إن احتمال الموت واقع في كل يوم، حيث إن الأجل مخفي عنا، لذا فهناك احتمال الموت في كل يوم، أي لك ثلاثة آلاف وستمائة احتمال للموت، فليس أمامك إذن احتمال واحد من بين ثلاثمائة ألف احتمال - كما في الزورق - وإنما احتمال من بين ثلاثة آلاف احتمال، فلربما يقع الاحتمال هذا اليوم. فما عليك إذن إلا الهلع والبكاء وكتابة وصيتك". (1) "
إن خوف ذلك الشيخ هو من نوع الخوف من المجهول، أي مما تهدد به العناصر الطبيعية، ولكن حوار النوري الواقعي والمنطقي رده إلى رشده وأعاده إلى صوابه، وبينما هم على سطح الزورق قال له:
(1) المكتوبات - النورسي ص 536