فهرس الكتاب
وبطبيعة الحال فإن الداخل لغرفة صغيرة المساحة غطيت جدرانها بالمرايا يحسبها كالميدان الواسع للانعكاسات المتداخلة للمرايا، فلو شبه صاحبها عند رؤيته لها اتساعها وتمددها بالساحة، كان صادقًا، ولكنه لو قرر جازمًا بسعتها واقعًا وحقيقة، لكان كاذبًا لا محالة، لأنه خلط بين الأصل والصورة خلطًا ضاعت فيه معالم الواقع والحقيقة.
ولأجل هذا دعا النورسي للتفريق في عالم الرؤى والأحلام بين عالمين يضاد كلاهما الآخر، فقال:
"وبناء على هذا المثال ينبغي التفريق بين العالم المادي والعالم الروحاني، فلو مزجا معًا، تأتي أحكامهما خطأ، ولا نصيب لها من الصحة". (1)
ومراده أن الواقع شيء، وصورته ومثاله شيء آخر، فلا يجب الخلط بينهما، وذلك للاختلاف البين في حقيقتهما النوعية. فالأول مادي محسوس ومدرك، والثاني صورة ومعاني ذهنية مجردة، أي هو كالظل للحقيقة.
مصير الحضارة الأوربية
تساءل النورسي كغيره من المتأملين في واقع الحضارة الأوربية المعاصرة، بإيجابياتها وسلبياتها، وبقوتها المادية وضعفها الروحي والمعنوي وبحياة الناس التي شبهها بأنها:
"عذاب الجحيم في نعيم جنة كاذبة". (2)
إلى أين تقود البشرية؟
وقبل الإجابة على ذلك السؤال، مثل لها بالمثال التالي:
"هب أن أمامنا طريقين: فسلكنا أحدهما وإذا بنا نرى في كل خطوة نخطوها في الطريق الأول مساكين عجزة يهجم عليهم الظالمون يغصبون أموالهم ومتاعهم، يخربون بيوتهم وأكواخهم، بل قد يجرحونهم جرحًا بليغًا تكاد السماء تبكي على حالتهم المفجعة، فأينما تمد النظر ترى الحالة نفسها فلا يسمع في هذا الطريق إلا ضوضاء الظالمين وصخبهم، وأنين المظلومين ونواحهم، فكأن مأتمًا عامًا قد خيم على الطريق."
(1) اللمعات - النورسي ص 103
(2) اللمعات - النورسي ص 177