الصفحة 467 من 3036

أعطني خمسة قروش لأنتقي لك الكمية المناسبة التي تريدها من تلك الأزهار والأثمار، فإنك تخسر بجروحك هذه أضعاف أضعاف ما تحصل عليه بخمسة قروش، فضلًا عن أن هناك عقابًا على صنيعك هذا، حيث إنك تقطفها من غير إذن.

فاشتد عليّ الكرب في تلك الحالة، فنظرت أتطلع من النافذة إلى الأمام لأتعرف نهاية النفق، فرأيت أن هناك نوافذ كثيرة وثغورًا عدة قد أحلت محل نهاية النفق، وأن مسافري القطار يقذفون خارجًا من القطار إلى تلك الثغور والحفر، ورأيت أن ثغرًا يقابلني أنا بالذات أُقيم على طرفيه حجر أشبه ما يكون بشواهد القبر، فنظرت إليها بكل دقة وإمعان فرأيت أنه قد كتب عليها بحروف كبيرة اسم سعيد، فصرخت من فرقي وحيرتي:

-يا ويلاه!!

وآنذاك سمعت صوت ذلك الرجل الذي أطال علي النصح في باب الملهى.

وهو يقول:

هل استرجعت عقلك يا بني وأفقت من سكرتك.

فقلت:

نعم ولكن بعد فوات الأوان، بعد أن خارت قواي ولم يبق لي حول ولا قوة.

فقال:

-تُب وتوكل.

فقلت:

-قد فعلت.

ثم أفقتُ، وقد اختفى سعيد القديم ورأيت نفسي سعيدًا جديدًا". (1) "

يمكن تقسيم رؤيا النورسي تلك إلى قسمين أساسين:

ففي القسم الأول رأى وكأنه من المفترض عليه أن يقطع مسافة طويلة إلى بلد بعيد، وعين له من أرسله مبلغ ستين ليرة، يتسلم منها كل يوم المقدار الذي يعينه على سفره، وعند دخوله لأول نُزل تسلم ما انفق عليه من قبل. فأنفقه كله على متعه ولذائذه، ولم يبقَ له سوى الحسرة والندم على ما أقدم عليه.

وبينما هو على هذه الحالة المحزنة والأليمة، ظهر أمامه رجل وبّخه على أفعاله المنكرة وحذره من العقوبات الشديدة، ثم نصحه بضرورة التوبة والرجوع إلى جادة الحق، وأيضًا توفير ولو قليل من المال ليصرفه على احتياجاته في ذلك البلد. فلم يقتنع بنصيحته أو يلتفت إلى تحذيره، وذلك لما ابتلى به من شديد الشهوات، وتعلق زائد عن الحد بها.

(1) الكلمات - النورسي ص 379،367

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت