فهرس الكتاب
فإذا كان كل مخلوق ومن حيث مكوناته المادية عبارة عن مركب من عناصر شتى، ومن مواد متنافرة في أصولها، وبنسب وحسابات غاية في الدقة والإتقان، فمن العبث إذن إحالة وجودها إلى الأسباب أو الطبيعة، بل إن استحالة فرضية كهذه، ومناهضتها للعقل والواقع ظاهرة لكل ذي بصر سليم وإدراك واع بحقائق الأمور.
وأخيرًا انتهى النورسي إلى القول.
"إِن المواد الحيوية المستحضرة بميزان القضاء والقدر للحكيم العليم في هذا العالم الكبير الذي هو صيدلية ضخمة رائعة لا يمكن أن يوجد إلا بحكمة لا حد لها، وبعلم لا غاية له، وبإرادة تشمل كل شيء وتحيط بكل شيء، وإلا فما أشقاه من يتوهم أن هذه الموجودات هي نتاج عناصر الكون الكلية". (1)
والمستفاد أن المكونات المادية لكل مخلوق هي بتقدير اللّه تعالى. أي هي بتحديد وتخصيص كل مخلوق بخواصه وصفاته المميزة له عن باقي الموجودات. وذلك لأن التقدير هو حاصل الإرادة التابعة للعلم. والحكمة التابعة للإدراك والعلم، وَمَنْ يعتقد خالقًا ومكونًا للموجودات غير اللّه، فهو بلا شك من الضالين الكاذبين.
خلق الطبيعة
من العبارات الأثيرة لدى الماديين عبارة (اقتضته الطبيعة) التي يريدون بها أن هذا الموجود أو ذاك هو من مستلزمات وموجبات الطبيعة، أو بمعنى آخر أن الطبيعة هي التي أوجدته، وهو كما يرى النورسي في حكم المستحيلات المفروض منها، ودلل على ذلك بقوله:
"إن الإتقان والإيجاد المتسمين بالبصيرة والحكمة الظاهرين في الموجودات ظهورًا جليًا لا سيما في الأحياء، إن لم يسندا إلى قلم القدر الإلهي، وإلى قدرته المطلقة، وأسندا إلى الطبيعة العمياء الجاهلة، وإلى القوة يلزم أن توجد في كل شيء قدرة قادرة على خلق الكون كله، وحكمة مدبرة لإدارة شئونه كلها". (2)
(1) اللمعات - النورسي ص 270
(2) اللمعات - النورسي ص 275