فهرس الكتاب
والغريب العجيب أن يتم ذلك كله باسم الإسلام الذي حرر العقل وحطم أمامه كل القيود والأغلال. وإذا كانت النصوص، قرآنًا وسنةً، هي المادة الخام لصياغة الدليل والبرهان والحجة، فإن العقل هو المصنع الذي يصنع هذا الدليل، أو هو الآلية التي بها وعن طريقها يتم الاستنباط، وصياغة الدليل والبرهان، وإقامة الحجة، وتحديد مناط الأمر والنهي ومعرفة المقصود من الأمر، وجوبًا أو ندبًا أو إباحةً، وكذلك الحال في النهي إن كان للتحريم أو للكراهة أو للتنزيه، وبالتالي فإلغاء دور العقل هنا أو تهميشه لا يتم احترامًا لقداسة"النص"كما يفهم البعض، وإنما هذا الإلغاء أو التهميش يشكل خطورة على المدى البعيد أو القريب على شريعة الله، كما يشكل عدوانًا على النص نفسه ، ذلك لأن الدين الذي نعتنقه ونعيش تحت مظلته ، ونتجادل أحيانًا حول قضاياه ، هو نفسه الذي قرر رعاية الجهد العقلي في مجال التجربة ، صوابًا أو خطأً ، ولم يحرم المجتهد المخطئ من ثمرة جهده وإعمال عقله وإذا كان قد قرر للمجتهد المصيب أجرين، فهو لم ينس المجتهد المخطئ ، والأصل في ذلك هو حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي يقول:
"إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران ، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" (1)
كل ما هنالك أن علاقة العقل بالنص ربما ليست واضحة لدى البعض، فقد يفهمون خطأ أن العقل في مواجهة النص ، وهذا غير صحيح على الإطلاق ، بل إن الثنائية والتقابل مرفوضتان شكلًا وموضوعًا في التصور الإسلامي الصحيح .
ومن هنا يجب إزالة اللبس بين النصوص والعقل ، كما يجب فك الاشتباك المصطنع بين الطرفين حتى نقطع الطريق على هؤلاء الذين يلتمسون العيب لشريعة الله ويكيلون الاتهام لدعاة الإسلام ورموزه، فكلاهما النص والعقل وجهان لنعمة واحدة هي نعمة الله الكبرى في الإنسان وعليه:
(1) صحيح مسلم تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي المجلد الثالث ص1342 دار إحياء التراث.