الصفحة 647 من 3036

إذا كان الإيمان هو الذي يمثل قلب الحضارات، والعلم بمنجزاته المتعددة يمثل عقل الحضارات، فإن المادة بثقلها وضغطها تمثل جسد الحضارة، وفي عصور الهيام بالمادة وهيمنتها على العقل والوجدان تختفي وتتوارى بواعث الإيمان ومظاهره في النفس والمجتمع، ويصبح العقل خادمًا لا سيدًا ، وتتحول إنجازاته المختلفة إلى وسيلة لمزيد من الإغراء بمتعة جديدة بعدما ملت النفس وتشبعت من صنوف المتع وأنواع المتاع ، حينئذ تطغى بواعث المادة وتتلاشى أنوار العقل وتتوارى أشواق الروح، ويتخلى الإيمان والعقل عن دورهما الهام في قيادة النفس والمجتمع والسيطرة على ميادين الحياة بعدما أضحت الحياة نفسها مأساة وملهاة حين أمسكت فلسفة المادة بكل الخيوط وأضحت مفاهيمها هي التي توجه مسيرة الحياة والأحياء ، وعند ذلك تبدأ لحظة الانكسار الحضاري والتراجع التاريخي، ويبدأ الخط البياني في النزول بعدما وصل إلى القمة في الإشباع والترف المخل بقانون العدالة والإسراف المعطل لقانون التوازن، وتلك هي معاناة مدنية الغرب التي بدأت تتآكل من داخلها بجراثيم الوضاعة والمعصية والكوكايين والهيروين والأيدز .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت