فهرس الكتاب
وإذا كان الإسلام يرفض أن يتحدث باسمه من لا يعرفون دنياهم ، فإنه كذلك يرفض أن ينتسب إليه من لا يعرفون ربهم ممن يتأبُّون على هداياته ويترفعون عن الخضوع له حتى ولو علموا ظاهرًا من الحياة الدنيا فذلك مبلغهم من العلم ، وهذا في الحقيقة سر الداء في عالمنا الإسلامي خصوصًا ومصدر المأساة في أمم الدنيا المعاصرة ، علماء دين لا يعرفون دنياهم، فهم في واد ، والناس والزمان والمكان في وادٍ آخر وعلماء دنيا لا يعرفون دينهم ، فهم يتصرفون بلا ضابط ولا رابط ودون اعتبار لمقتضيات الحكمة والأخلاق والعقل البصير .
ومن ثم كان الشذوذ والنشاز والنغم الفاجر المفعم بالجحود والنكران، والذي يشيع الإلحاد باسم العلم ، والفوضى باسم الحرية ، واستغلال الشعوب باسم حماية الديمقراطية ، ويفرض نمطه وثقافته ومبادئه وفلسفته على الآخرين باسم العولمة والكونية الجديدة .
ولقد تنبه لهذا الفجور العقلي مجدد العصر الإمام النورسي وأدرك خطورة هذا الفجور وتأثيره في تلوث البيئة بشرًا ومكانًا وزمانًا فقال:
"لا قيمة لبصر دون بصيرة فإن لم تكن سويداء القلب في فكرة بيضاء ناصعة فحصيلة الدماغ لا تكون علمًا ولا بصيرة فلا عقل دون قلب." (1)
وهكذا يُشَخِّصُ هذا المعلم الكبير مرض المدنية المعاصرة ويحدد مصدر الداء في أنها مدنية لا قلب لها وإن تَفَوَّق العقل وجاب أرجاء الفضاء بمراكبه ، وحل هنالك فوق سطح القمر ، إلا أن صدر الإنسان على الأرض لا يزال معتمًا ، وسيظل كذلك ما ظل بعيدًا عن توجيهات الوحي المعصوم وهدايات السماء ، قال الحق سبحانه وتعالى:
? { الر ،كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد } (2)
(1) الكلمات 848
(2) سورة ابراهيم 1-2