الصفحة 695 من 3036

فأيّما كتاب سأله، أجاب بأنه أتمه. فتعجب من أمره إذ كيف يستطيع أحد أن يقرأ كل هذه الكتب في هذه الفترة القصيرة، حتى عبّر عن حيرته بأسلوب الملاطفة والمزاح:

-كنت مجنونًا في السنة السابقة، فهل ما زلت على جنونك؟

أجابه الملا سعيد:

-قد يكتم الإنسان الحقيقة عن الآخرين لئلا يداخله الغرور وليكسر نفسه الأمارة بالسوء، ولكن الطالب لا يستطيع سوى قول الحقيقة المحضة لأستاذه الذي يجلّه اكثر من والده. فإن تفضلتم بالأمر فأنا على استعداد للامتحان في الكتب التي ذكرتها.

فبدأ"الملا فتح الله"بطرح الأسئلة. فما سأل سؤالًا من أي كتاب كان إلاّ وكان الجواب شافيًا ووافيًا..ثم سأله:

-حسنًا.. إن ذكاءك خارق، ولكن دعنا نرى قوة حفظك! فهل تستطيع أن تحفظ بضعة اسطر من كتاب"مقامات الحريري"بعد قراءتها مرتين؟

وتناول الملا سعيد الكتاب، وقرأ منه صحيفة واحدة مرة واحدة، فإذا بها كافية لحفظها. وقرأها لأستاذه حفظًا، فلم يملك أستاذه نفسه من القول في إعجاب ودهشة:

-إن اجتماع الذكاء الخارق مع القابلية الخارقة للحفظ في شخص واحد من اندر الأمور.

وهناك حفظ"الملا سعيد"كتاب"جمع الجوامع"عن ظهر قلب بقراءته ساعة أو ساعتين في اليوم لمدة أسبوع. مما دفع هذا الأمر"الملا فتح الله"إلى كتابة العبارة الآتية على غلاف الكتاب:"قد جمع في حفظه جمع الجوامع جميعه في جمعة".

وبدأ أستاذه"الملا فتح الله"بالثناء عليه والإعجاب به في جلساته مع العلماء قائلًا: لقد أتى إلى مدرستنا طالب في أوج شبابه، وأجاب عن كل ما سألته عنه دون توقف. فأعجبت بذكائه النادر وعلمه الوافر أيما إعجاب. (1)

(1) فكان الملا فتح الله أول من أطلق على الملا سعيد لقب"بديع الزمان".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت