الصفحة 723 من 3036

نعم إن حقيقة هذه الآية الكريمة تنبّه بقوة مذكّرةً وتقول: لِمَ يُحزنك إلى هذا الحدّ سقوط رسالة عامرة شيّدت بيد الإنسان الضيف على صحيفة"وان"، حتى اتخذت صورة مدينة مأهولة؟ فلِمَ تحزن على سقوطها في السيل الجارف المخيف المسمّى بالاحتلال الروسي الذي محا آثارها واذهب كتابتها؟ ارفع بصرك إلى الباري المصوّر وهو ربّ كل شئ ومالكه الحقيقي، فناصيته بيده، وان كتاباته سبحانه على صحيفة"وان"تُكتب مجددًا باستمرار بكمال التوهج والبهجة وان ما شاهدته من أوضاع في الغابر والبكاء والنحيب على خلو تلك الأماكن وعلى دمارها وبقائها مقفرة إنما هو من الغفلة عن مالكها الحقيقي، ومن توهم الإنسان - خطأً - أنه هو المالك لها، ومن عدم تصوره أنه عابر سبيل وضيف ليس إلاّ.. فانفتح من ذلك الوضع المحرق، ومن ذلك الخطأ في التصور بابٌ لحقيقة عظيمة، وتهيأت النفسُ لتقبلها - كالحديد الذي يدخل في النار ليلين ويعطى له شكل معين نافع - إذ أصبحت تلك الحالة المحزنة وذلك الوضع المؤلم، نارًا متأججة ألانت النفس. فأظهر القرآن الكريم لها فيض الحقائق الإيمانية بجلاء ووضوح تام من خلال حقيقة تلك الآية المذكورة حتى جعلها تقبل وترضخ. (1)

وهجرتُ السياسة (2)

مرت عليَّ حادثة جديرة بالملاحظة:

(1) اللمعات/ 379

(2) إن السياسة التي خَبَرها الأستاذ النورسي وعرف عدم جدواها بل ضررها بالإخلاص والعمل الإسلامي هي السياسة الميكيافيلية الحاضرة والتي وصفها بالوحش الكاسر فاستعاذ بالله منها، وفي الوقت نفسه لم يأل جهدًا في نصح الحكام وذوي السلطة، إلا أنه لم يتزلف لهم ولم يسر في ركابهم مثلما أنه لم يواجههم مواجهة مادية بإحداث القلاقل والاضطرابات فقد وقف في السياسة مواقف واضحة مشهودة لكنه اتخذ مواقع بعيدة عنها رآها صوابا وسدادًا لحفظ الإيمان وخدمة القرآن. ورسائل النور زاخرة بمواقفه هذه من الأحداث عبر حياته الطويلة نقلنا هنا نماذج منها فحسب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت