الصفحة 801 من 3036

نزعنا الأحذية وصعدنا ، وحيال الباب انتهت إلينا أصوات ، وتسمرنا في أماكننا ، معبر الدرج ورائي مشحون بالوجوه المتطلعة إلى أعلى ، تسمر كل في موقعه وامتدت أسماعنا إلى الحس المنبعث من داخل البيت ، هذه أصوات يعرفها صونغور ، لذا ها قد هش لها وتوردت وجنتاه لنبراتها ، ودلف أمامنا إلى الغرفة ، وسار بنا إلى أخرى ونحن خلفه نمشي على رؤوس أصابعنا من رهبة وحذر لا ندري لهما سببا ، لا نكاد نرفع أنظارنا في شيء مما حولنا إلا خلسة.

كل مشاعرنا تعلقت بالأصوات الخفيفة المنبعثة من الداخل ، واجتزنا العتبة ومن هناك ، من على سرير عريض عليه أغطية قماشية ، واجهنا الشيخ ، بنظرته النسرية ، وطلعته الأسدية ، وركانته الفخيمة . كان مستغرقا في تصحيح ورقة فلم يعبأ بحسنا ، وكانت على رقعة الأرض تنعقد حلقة درس ، وتطلعت وجوههم إلينا في خلسة، سبعة أو ثمانية طلاب في عز العمر ، يمسكون بأقلام وورق ويتابعون صوت الأستاذ ويكتبون ، وهزوا رؤوسهم لنا وواصلوا عملهم، وهمس صونغور: الحلقة معقودة لتصحيح الرسائل..

وفي لحظة نزع صونغور رداءه وشمر وباشر إيقاد النار ، لقد رمقه الأستاذ بنظرة فأدرك دلالتها وها هو يوقد النار في موقد حديدي ويضع الماء عليها يغلي ويلتفت إلى الأقداح يحضرها ، بعد قليل راح يوزع الشاي على الحلقة لكن الاستغراق كان يتملكهم فلم يشعروا به حتى أومأ الأستاذ إليهم فتركوا أقلامهم وأخذوا يشربون ، وأمرنا الشيخ بالجلوس ، وجيء لنا نحن أيضا بالشاي ، وراح صونغور يعرفنا للأستاذ ، وانتهى إلى عويس ، تملاه الأستاذ طويلا وقال: أنت من مصر . كنانة الإسلام ، ثم بعد صمت راح يسأله عن الأزهر ، وعن حال العلوم به ، وهل لا زال محجة للمسلمين يتفقهون ويتربون على شيم الاسلام ، ثم جاء دوري وسمعت صونغور يقول للشيخ: هذا أخ من الجزائر .. من بلاد الغرب الاسلامي. وتبسم الاستاذ وتمتم كأنه يحادث نفسه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت