الصفحة 45 من 55

والسلف الصالح ما قالوا هذا ، وإنما قالوا في الآية: هي على ظاهرها والمعنى معلوم واضح ، والمجهول هو الكيف فقط ، ولكن الأشعرية ظنوا أن الظاهر منها يتحتم أن يكون الظاهر من استواء بلقيس على عرشها ، ولو سئل أحدهم: هل رأيت استواء بلقيس ؟ فيقول: لا ، يقال له: وهل رأيت له مثيلا ؟ فيقول: نعم ، فيقال عند ذلك: معنى استواء بلقيس معلوم ، وكيفية استوائها معلومة أيضا من رؤيتك للمثيل ، لكن إذا سئل: هل رأيت استواء اللَّه ؟ فيقول: لا ، فيقال: وهل رأيت له مثيلا ؟ فيقول { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } (1) ، فيقال له: كيف حكمت أن الظاهر في استواء اللَّه يماثل الظاهر في استواء بلقيس ؟ أليس هذا قول على اللَّه بلا علم ؟ إنما يكفي أن القول إن معنى استواء اللَّه معلوم ، وهو العلو والارتفاع ، وكيفية استوائه معلومة لله مجهولة لنا .

[3] - ما ذكره الشيخ إبراهيم الدسوقي في مقالته عن قوله تعالى: { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } وآراء العلماء في المتشابه إذ يقول: ( فذهب السلف إلى التفويض في المعنى الذي أراده اللَّه تعالى ، بعد الإيمان به والتنزيه عن الظاهر المستحيل ) ثم ينسب ذلك إلى الأئمة الأربعة وأنهم يدينون لله بهذه العقيدة (2) .

فهؤلاء جميعا مع فضلهم وحسن ظننا بهم ، ظنوا أن اعتقاد السلف الصالح هو التفويض ، وعند التحقيق نجد الأمر يمكن في إثباتهم للصفة من عدمه ، فهل استواء الله علي عرشه حقيقة موجودة ولها كيفية ؟ أم أنهم لا يؤمنون بهذه الحقيقة الغيبية ؟ فلا خلاف بين السلف في وجود كيفية حقيقية للاستواء ، وإنما الخلاف بين السلف ومخالفيهم من الأشعرية وغيرهم ، في ادعائهم جهل السلف بمعنى الاستواء وتفويض العلم به إلى الله ، فالكيفية لها وجود حقيقي معلوم لله ومجهول لنا .

(1) لشورى:11.

(2) نظر مجلة الأزهر عدد محرم سنة 1414 هـ ص28 ، وانظر أيضا مجموعة الرسائل للشيخ الفاضل حسن البنا ص330.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت