ونعود إلى السؤالين اللذين طرحناهما بخصوص ذهاب الأنصار لاختيار الخليفة من بينهم.
السؤال الأول: كيف أسرعوا إلى ذلك ولم ينظروا إلى مصيبة وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ يقول المستشرقون: إنهم لم يحزنوا حزنًا كافيًا، ولذلك ألهتهم الدنيا عن المصاب الفادح.
وللرد على هذه الشبهة نقول: أولًا: المستشرقون لا يدركون هذه الخلفية التي ذكرناها عن طبيعة الأنصار، أو لعلهم يدركونها ويتجاهلونها عن قصد وعمد، فرسول الله صلى الله عليه وسلم نزههم عن طلب الدنيا، بل نزههم عن ذلك ربهم بقرآن باقٍ إلى يوم القيامة، فإذا تغير منهم رجل أو رجلان فمن المستحيل أن يتغيروا جميعًا أو أن يجتمعوا على حب الدنيا.
ثانيًا: المستشرقون لا يفقهون معنى الصبر الجميل، {فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا} [المعارج:5] ، الصبر الذي لا شكوى فيه، الصبر عند الصدمة الأولى.
روى البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال: (مر النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة تبكي عند قبر فقال: اتقي الله واصبري، فقالت: إليك عني؛ فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه صلى الله عليه وسلم، فقيل لها: إنه النبي صلى الله عليه وسلم، فأتت باب النبي صلى الله عليه وسلم فلم تجد عنده بوابين فقالت: لم أعرفك، فقال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى) .
فصبر الأنصار رضي الله عنهم كان صبرًا جميلًا صبرًا عند الصدمة الأولى، وكما قال ربنا: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر:10] ، هذا ما يفهم في ضوء سيرتهم رضي الله عنهم وأرضاهم.
ثالثًا: هل يمنع هذا من كون قلوبهم تتفطر حزنًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هل هناك تعارض بين الحزن وبين العمل؟ لا تعارض أبدًا، فالمسلم الإيجابي مهما حزن فإن ذلك لا يقعده عن العمل الواجب، فالحزن الذي يقعد الناس عن العمل حزن غير مرغوب فيه.
وتعالوا نفكر قليلًا مع الأنصار، ترى لو انتظر الأنصار يومًا أو يومين أو أسبوعًا أو أسبوعين حتى تهدأ عواطف الحزن وتعود الحياة إلى طبيعتها ماذا ستكون النتيجة؟ ماذا لو هجم الفرس أو الروم على بلاد المسلمين؟ من سيتخذ قرار الحرب من عدمه؟ من سيجهز الجيوش ويعد العدة ويستنفر الناس؟ ماذا يحدث لو هجم المرتدون على المدينة؟ وقبائل عبس وذبيان على بعد أميال من المدينة وإسلامهم حديث، وردتهم متوقعة.
وماذا يحدث لو هجم مسيلمة الكذاب بجحافلة المرتدة على المدينة؟ من سيتخذ قرار الحرب ضدهم؟ وماذا لو نقض اليهود عهدهم! أيحاربون أم يوادعون؟ أتكون لهم شروط جديدة؟ أيكون لهم عهد جديد؟ ثم ماذا سيحدث لو أخرج المنافقون في المدينة رجلًا منهم وبايعوه على الخلافة، وبايعته قبيلته وقبائل أخرى؟ ماذا سيكون رد فعل الصحابة؟ أينكرون بيعته ويحاربونه وتحدث الفتنة العظمى والبلية الكبرى، أم يتركون منافقًا يترأسهم؟ وماذا لو اختارت كل قبيلة من القبائل المختلفة التي تكون دولة الإسلام الآن زعيمًا لها من أبنائها وتفرق المسلمون أحزابًا وشيعا؟ من يجمع؟ ومن يوحد؟ بالتفكير السليم والمنطقي والموضوعي نجد أن إسراع الإنصار إلى اختيار الخليفة برغم المصيبة الكبيرة بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم هو فضيلة تحسب للأنصار وليس نقصًا أو عيبًا، لقد وصلوا في إيجابيتهم إلى درجة من الصعب أن تتكرر في غيرهم من الأجيال.
لكن السؤال الأصعب والذي يحتار فيه كثير من المسلمين فضلًا عن غير المسلمين هو: لماذا أسرع الأنصار لاختيار الخليفة من بينهم وليس من المهاجرين؟ تعالوا نفكر مع الأنصار.
أولًا: حتى نفهم موقف الأنصار تعالوا نسمي الأشياء بالمصطلحات الحديثة من أجل أن ندرك أبعاد الموقف بكاملة، الأنصار في مصطلح العصر الحديث هم أهل البلد الأصليون، فقد كانت المدينة كأنها دولة مستقلة يعيش فيها الأوس والخزرج، وذلك قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم اضطهد المهاجرون في بلدهم مكة وهي أيضًا دولة مستقلة أخرى بجوار المدينة المنورة، وضيق على المهاجرين فاضطروا إلى ترك مكة واللجوء إلى المدينة المنورة، أي: أن التعريف الحديث للمهاجرين هو أنهم مجموعة من اللاجئين السياسيين في دولة المدينة المنورة، والمدينة كدولة كريمة سخية عادلة استقبلت اللاجئين أو المهاجرين خير استقبال وأكرمتهم وأعطت لهم ومنحتهم كل حقوق المواطن الأصلي في البلد، ومرت الأيام ولم تفرض عليهم أبدًا قيودًا تعوق من حياتهم، بل على العكس، كثيرًا ما آثرتهم على أهل البلاد الأصليين.
ثم مرت أيام أخرى ومات قائد المدينة المنورة وزعيمها النبي محمد صلى الله عليه وسلم وحان وقت تولية زعيم جديد على المدينة، فهل من المنطق البسيط أن يكون زعيم الدولة من أهلها الأصليين أم من اللاجئين إليها؟ وهل من المنطق البسيط أن يكون زعيم الدولة من الذين قدموا كل شيء لأجل من قدم إليهم، أم يقدم الذي جاء طريدًا من بلده فاستقبل في بلد آخر؟ لو هاجر مجموعة من الفلسطنيين مثلًا إلى أمر