هذا الموقف من الأنصار رضي الله عنهم أجمعين هو الذي حدا بـ عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يقول عبارتين في وقتين مختلفين، ولا يفهم ذلك إلا من اطلع على كل هذه الظروف: العبارة الأولى: قالها يوم السقيفة، وبعد مبايعة أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه.
قال رجل من الأنصار لـ عمر بن الخطاب: قتلتم سعدًا والله! يقصد: قتلتم سعد بن عبادة سيد الأنصار باختياركم غيره، فقال عمر بن الخطاب: قتل الله سعدًا! قتل الله سعدًا! وهذه رواية صحيحة في البخاري، هذه الكلمة من عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه كما قال ابن حجر هي دعاء على سعد بن عبادة رضي الله عنه وأرضاه.
ولاشك أن هذه الكلمة تعبر تعبيرًا واضحًا عما يجيش في صدر عمر بن الخطاب من أسى وحزن وغضب من اجتماع الأنصار بمفردهم؛ ذلك أنه كان يخشى الفتنة التي كان من الممكن أن تحدث لو اختاروا زعيمًا ليس على رغبة المهاجرين.
وروى البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه تفسيرًا لهذا الموقف فيقول: أما والله! ما وجدنا فيما حضرنا أمرًا هو أرفق من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة، فإما نبايعهم على ما لا نرضى، وإما نخالفهم فيكون الفساد.
وهذا منتهى الوضوح، وقد يحمل كلام عمر بن الخطاب أيضًا على محمل آخر، وهو: أنه يقول: قتل الله سعدًا بأخذ الإمارة منه، لسنا نحن الذين قتلناه، بل إن التشريع الذي قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في الولاية هو وحي من الله عز وجل وليس لنا ولا لأحد فيه يد.
فكأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه يقول للأنصاري: إنك إن كنت تعتبر أن سحب الخلافة من سعد بن عبادة قتلًا فإن الذي فعله هو الله عز وجل.
وسواء كان هذا المعنى أو غيره فليس معنى ذلك أنه كان بين سعد وعمر رضي الله عنهما شقاق أو كراهية أبدًا، وإنما عمر بن الخطاب غضب من سعد في موقف من مواقف حياته العديدة، كما يغضب رجل من رجل أو يختلف رجل مع رجل، وهذا شيء طبيعي جدًا، وهذا حتمي أن يحدث بين المؤمنين، لكن ليس معناه أن يحدث هجران بين المسلمين أكثر من ثلاث، وهذا مما لم ينقل عن عمر بن الخطاب وسعد بن عبادة أو عن عمر بن الخطاب والحباب بن المنذر أو غيرهم.
وليس من الطبيعي ولا الفطري أن يتعايش الناس دون اختلاف في الرأي، أو غضب من بعض الأفعال، أو حتى خروج لبعض الكلمات التي لا يرضى عنها قائلها، فهذا أمر وارد في حق البشر أجمعين، لكن المهم هو عدم التمادي في هذه الأمور، والمهم أيضًا: العودة سريعًا إلى الاجتماع بعد الاختلاف.
والعبارة الثانية التي قالها عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه جاءت في رواية البخاري ومسلم: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه في أيام إمارته على المسلمين خطب في الناس فقال: بلغني أن فلانًا منكم - وليس هناك تبين من هو هذا الشخص- يقول: لو مات عمر بايعت فلانًا، يعني: أنه سيبايع طلحة بن عبيد الله دون مشورة أحد، فهو في رأيه أحق الناس بالخلافة بعد عمر، هكذا يقول الرجل.
يقول سيدنا عمر: فلا يغترن امرئ أن يقول: إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وتمت، يعني: فجأة، وعمر رضي الله عنه يريد أن يحذر من يقول: إن بيعة أبي بكر كانت فجأة دون ترتيب ومع ذلك تمت ونجحت، وبويع لـ أبي بكر، فما المانع إن مات عمر أن نبايع رجلًا آخر فجأة، ويتم له الأمر؟! فسيدنا عمر يصحح المفاهيم لهذه الأمة فيقول: ألا وإنها -يعني: بيعة الصديق - قد كانت كذلك -يعني: كانت فلتة- إلا أن الله وقى شرها.
وهذه عبارة في غاية الأهمية.
وسيدنا عمر بن الخطاب يقصد أن عملية البيعة الفجائية كان من الممكن أن يتبعها شر عظيم، ولابد أن تعقد الشورى بين كل الأطراف الذين يستعان برأيهم في هذه الأمور.
وبيعة الصديق الفجائية كان من الممكن ألا تقر من عامة المسلمين، لولا أن المبايع هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، ولذا سيدنا عمر بن الخطاب خائف، فلو تخيلنا أن المهاجرين انقسموا على أنفسهم بعد وفاة عمر بن الخطاب فاختار بعضهم طلحة مثلًا، واختار بعضهم عليًا مثلًا، واختار بعضهم عثمان مثلًا