وفي حديث سمرة - رضي الله عنه - في رؤيا النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام وفيه: (قال: قالا لي: انطلق انطلق، قال: فانطلقنا، فانتهينا إلى روضة عظيمة، لم أر روضة قط أعظم منها ولا أحسن، قال قالا لي: ارق فيها، قال: فارتقينا فيها فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة، فأتينا باب المدينة فاستفتحنا، ففتح لنا فدخلناها، فتلقانا فيها رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء، وشطر كأقبح ما أنت راء، قال: قالا لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر، قال: وإذا نهر معترض يجري كأن ماءه المحض في البياض، فذهبوا فوقعوا فيه ثم رجعوا إلينا، قد ذهب ذلك السوء عنهم فصاروا في أحسن صورة، قال: قالا لي: هذه جنة عدن) رواه البخاري.
ففسر تلك الرياض والمدينة بجنة عدن وأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنها روضة عظيمة وأنه لم ير روضة أحسن وأعظم منها.
وقال تعالى: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (31) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا} .
قال ابن جرير في التفسير:"والحدائق: جمع حديقة، وهي البساتين من النخل والأعناب والأشجار المحوط عليها الحيطان المحدقة بها، لإحداق الحيطان بها تسمى الحديقة حديقة، فإن لم تكن الحيطان بها محدقة، لم يقل لها حديقة، وإحداقها بها: اشتمالها عليها."انتهى.
فأخبر الله عز وجل إن للمتقين عنده حدائق محوطة في جناتهم سوى البساتين والجنان والرياض الأخرى المفتوحة وغير المحوطة ونكر هذه الحدائق في الآية تعظيما لها.
ولكي تعرف عن عظمة الجنان والبساتين والحدائق التي في الجنة، انظر إلى وصف شجرة من أشجار تلك الجنان ثم قارن بينها وبين سائر جنان الجنة، لتعلم عظم وضخامة تلك الجنان والبساتين التي أعدت لأهل السعادة، فقد جاء عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها واقرؤوا إن شئتم: {وَظِلٍّ مَمْدُودٍ} . متفق عليه، فإذا كان هذا الوصف العظيم في شجرة واحدة فقط من تلك الجنان والأشجار والبساتين، فكيف بالجنان والبساتين والحدائق بأكملها.
قال ابن هبيرة في الإفصاح:"فأقول: إنه - صلى الله عليه وسلم - لما ذكر أن الراكب يسير في ظلها مائة عام قال بعد ذلك: (لا يقطعها) فدل على أن سير مائة سنة في ظل شجرة واحدة من أشجار الجنة لا يقطعها ولا ينفذها، فإنما ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما ذكر في هذه الشجرة ليستدل بذكرها على سعة الحدائق التي فيها النخل والأشجار التي هذه الشجرة واحدة منها، وعلى سعة الأماكن التي فيها تلك الحدائق فهو مما لا يمكن أن يعبر عنه إلا بما قال"