الصفحة 14 من 78

هَذَا قَوْلُ شَيْخِنَا أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ كَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَكُلُّ مَنْ لَمْ يَتَمَعْزَلْ مِنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَقَالَ فِي كِتَابِ"التَّحْصِيلِ": إنَّهُ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَصْحَابِ الْحَدِيثِ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ فِي تَعْلِيقِهِ": مَذْهَبُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ عَامَّةً: إنَّهُ لَا تَجِبُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ قَبْلَ السَّمْعِ، وَذَهَبَتْ الْمُعْتَزِلَةُ إلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ قَبْلَ وُرُودِ السَّمْعِ، وَقَبْلَ وُرُودِ الدَّعْوَةِ وَإِلَّا فَهُوَ مُرْتَدٌّ كَافِرٌ. [1] ."

وقال في موضع آخر: وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي"تَلْخِيصِ كِتَابِ الْقَاضِي": بَحْثُ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ يَرْجِعُ إلَى مَا يَحْسُنُ وَيَقْبُحُ فِي التَّكْلِيفِ، وَهُمَا رَاجِعَانِ إلَى حُكْمِ الرَّبِّ شَرْعًا لَا إلَى وَصْفِ الْعَقْلِ، وَصَارَتْ الْمُعْتَزِلَةُ إلَى أَنَّ قُبْحَ الْقَبِيحِ يَرْجِعُ إلَى ذَاتِهِ، وَالْأَكْثَرُونَ مِنْهُمْ صَارُوا إلَى مِثْلِ ذَلِكَ فِي الْحُسْنِ، وَأَمَّا أَهْلُ الْحَقِّ فَقَالُوا: لَا يُدْرَكُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ حُسْنٌ وَلَا قُبْحٌ؛ لِأَنَّ الْحَسَنَ مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِتَعْظِيمِهِ، وَالْقَبِيحَ مَا وَرَدَ بِذَمِّهِ، فَالْحُسْنُ وَالْقُبْحُ عَلَى التَّحْقِيقِ هُوَ عَيْنُ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الشَّرْعِيَّيْن [2] .

وبعد أن حكي هذا المذهب قال: وَهَذَا مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ بِأَسْرِهِمْ، وَذَهَبَ إلَيْهِ مِنْ أَصْحَابِنَا أَبُو بَكْرٍ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ الْفَارِسِيُّ، وَالْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ، وَغَيْرُهُمْ، وَالْحَلِيمِيُّ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ خُصُوصًا الْعِرَاقِيِّينَ مِنْهُمْ ... [3]

وبعد ذلك بدأ يعتذر عنهم فقال: قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَأْرِيخِهِ": كَانَ الْقَفَّالُ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ مَائِلًا عَنْ الِاعْتِدَالِ قَائِلًا بِالِاعْتِزَالِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى مَذْهَبِ الْأَشْعَرِيِّ."

الثَّانِي: قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فِي كِتَابِهِ"التَّقْرِيبِ"وَالْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي تَعْلِيقِهِ"فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَلَهُ فِي"شَرْحِ كِتَابِ التَّرْتِيبِ"نَحْوًا مِنْ هَذَا أيضًا."

وَلَمَّا حَكَيْنَا هَذِهِ الْمَذَاهِبَ عُلِمَ أَنَّ هَذِهِ الطَّائِفَةَ مِنْ أَصْحَابِنَا كَابْنِ سُرَيْجٍ كَانُوا قَدْ بَرَعُوا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ قَدَمٌ رَاسِخٌ فِي الْكَلَامِ، وَطَالَعُوا عَلَى الْكِبَرِ كُتُبَ الْمُعْتَزِلَةِ فَاسْتَحْسَنُوا عِبَارَاتِهِمْ غَيْرَ عَالِمِينَ بِمَا يُؤَدِّي إلَيْهِ مَقَالَاتُهُمْ مِنْ قُبْحِ الْقَوْلِ، وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْن [4] .

(1) - البحر المحيط (1/ 153 - 154) ,

(2) - المصدر السابق (1/ 154) ,

(3) - المصدر السابق (1/ 156) ,

(4) - المصدر السابق (1/ 158 - 159) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت