فهرس الكتاب
- 📄
مسألة: التحسين والتقبيح العقلي
أهمية المسألة وعلاقتها بالموضوع: أنه إذا ثبت عن الأئمة أن العبد المكلف لا يكون مكلفًا نشئ أصلًا لا من مسائل الإيمان ولا غيرها من المسائل الفروعية حتى يأتي الرسول فهذا يعضد التفسير الذي قرأناه عن طائفة من العلماء لآية الميثاق. وإن أثبتنا أن هذا لا يوجد في الأصول ولا في الفروع، فهذا الإنسان يكون مستعد داخليًا.
التحسين والتقبيح له ثلاثة معان:
المعنى الأول: أن يكون المراد بالحَسَن ما يلائم الطبع والمراد بالقبيح ما ينافي الطبع مثل: العسل والمر.
المعني الثاني: أن يكون الحسن صفة كمال والقبح صفة نقص مثل: الصدق والكذب.
المعنى الثالث: أن يكون الحسن هو الذي يستحق فاعله المدح في الدنيا والثواب في الآخرة، والقبيح ما يستحق فاعله الذم في الدنيا والعقاب في الأجرة وهذا المعني الثالث هو موضوعنا.
-هذه المسألة عندما تكلم فيها العلماء لم يتناولوا فيها الفروع بل إن كلامهم كان منصبًا علي أصول الديانة، أما الفروع فكما ذكر الآلوسي وغيره: لا خلاف أن الإنسان لا يعاقب علي تركها قبل ورود الشرع.
قال الزركشي: قَالَ: أي: ابن بَرهان: وَذَهَبَ أَهْلُ الْحَقِّ إلَى أَنَّ طَرِيقَ الْعِلْمِ بِوُجُوبِ النَّظَرِ فِي الْعَقْلِيَّاتِ وَالسَّمْعِيَّاتِ، السَّمْعُ دُونَ الْعَقْلِ، وَإِنَّمَا يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ صِحَّةُ مَا يَصِحُّ كَوْنُهُ، وَوُجُوبُ وُجُودِ مَا يَجِبُ وُجُودُهُ، وَاسْتِحَالَةُ كَوْنِ مَا يَسْتَحِيلُ كَوْنُهُ، وَصِحَّةُ مَا يَصِحُّ وُرُودُ الشَّرْعِ بِهِ جَوَازًا بِكُلِّ مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ مِنْ وَاجِبٍ وَمَحْظُورٍ، وَمُبَاحٍ وَمَكْرُوهٍ وَمَسْنُونٍ.
فَقَدْ كَانَ فِي الْعَقْلِ جَوَازُ وُرُودِ الشَّرْعِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي وَرَدَ بِهِ، وَكَانَ فِيهِ أَيْضًا جَوَازُ وُرُودِ الشَّرْعِ بِتَحْرِيمِ مَا أَوْجَبَهُ وَإِيجَابِ مَا حَرَّمَهُ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى وُجُوبِ فِعْلٍ، وَلا عَلَى تَحْرِيمِهِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، وَقَالُوا أَيْضًا: لَوْ تَوَهَّمْنَا خَلْقَ الْعَاقِلِ قَبْلَ وُرُودِ السَّمْعِ عَلَيْهِ، وَاسْتَدَلَّ ذَلِكَ الْعَاقِلُ عَلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ، وَوَصَلَ إلَيْهَا لَمْ يَسْتَحِقَّ بِذَلِكَ ثَوَابًا، وَلَوْ جَحَدَهُ بِهِ وَكَوْنُهُ لَمْ يَسْتَحِقَّ عِقَابًا، وَلَوْ عَذَّبَهُ اللَّهُ أَبَدًا فِي النَّارِ لَكَانَ عَدْلًا.
وَإِنَّمَا كَانَ كَإِيلَامِ الطِّفْلِ فِي الدُّنْيَا، وَالْعِقَابُ لَا يَسْتَحِقُّهُ إلَّا مَنْ تَعَلَّقَ بِهِ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ خِطَابًا أَوْ بِوَاسِطَةِ الرِّسَالَةِ ثُمَّ عَصَاهُ.