فهرس الكتاب
- 📄
البعثة وأنه لا يعاقبهم عليه إلا بعد الإرسال وتكون هذه الآية في دلالتها على الأمرين نظير الآية التي في القصص: {وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} فهذا يدل على أن ما قدمت أيديهم سبب لنزول المصيبة بهم ولولا قبحه لم يكن سببًا لكن امتنع إصابة المصيبة لانتفاء شرطها وهو عدم مجيء الرسول إليهم فمذ جاء الرسول انعقد السبب ووجد الشرط فأصابهم سيئات ما عملوا وعوقبوا بالأول والآخر [1] .
وقال ابن القيم: وتحقيق القول في هذا الأصل العظيم أن القبح ثابت للفعل في نفسه وأنه لا يعذب الله عليه إلا بعد إقامة الحجة بالرسالة وهذه النكتة هي التي فاتت المعتزلة والكلُاَّبية كليهما فاستطالت كل طائفة منهما على الأخرى لعدم جمعهما بين هذين الأمرين فاستطالت الكلابية على المعتزلة بإثباتهم العذاب قبل إرسال الرسل وترتيبهم العقاب على مجرد القبح العقلي وأحسنوا في رد ذلك عليهم واستطالت المعتزلة عليهم في إنكارهم الحسن والقبح العقليين جملة وجعلهم انتفاء العذاب قبل البعثة دليلا على انتفاء القبح واستواء الأفعال في أنفسها وأحسنوا في رد هذا عليهم ....
وليس مع المعتزلة دليل واحد صحيح قط يدل على إثبات العذاب على مجرد القبح العقلي قبل بعثة الرسل وأدلتهم على ذلك كلها باطلة كما سنذكرها ونذكر بطلانها إن شاء الله تعالى [2] . أهـ.
وقال في موضع آخر: ووجه الاحتجاج بالآية أنه سبحانه نفي التعذيب قبل بعثة الرسل فلو كان حسن الفعل وقبحه ثابتًا له قبل الشرع لكان مرتكب القبح وتارك الحسن فاعلًا للحرام وتاركًا الواجب؛ لأن قبحه عقلًا يقتضي تحريمه عقلًا عندكم، وحسنه عقلا يقتضي وجوبه عقلًا فإذا فعل المحرم وترك الواجب استحق العذاب عندكم والقرآن نص صريح أن الله لا يعذب بدون بعثة الرسل فهذا تقرير الاستدلال احتجاجًا والتزامًا [3] .
(1) - مدارج السالكين (1/ 231) , طبعة دار الكتاب العربي - بيروت , تحقيق: محمد حامد الفقي.
(2) - مفتاح دار السعادة (2/ 7) , طبعة دار الكتب العلمية - بيروت.
(3) - المصدر السابق (2/ 39) .