فهرس الكتاب
- 📄
البدع مدلول واحد، وهو أنه من انتصب للابتداع ولترجيحه على غيره وأما أهل الغفلة عن ذلك والسالكون سبل رؤسائهم بمجرد التقليد من غير نظر فلا. فحقيقة المسألة أنها تحتوي على قسمين: مبتدع ومقتد به. فالمقتدي به كأنه لم يدخل في العبارة بمجرد الاقتداء؛ لأنه في حكم المتبع، والمبتدع هو المخترع. أو المستدل على صحة ذلك الاختراع، وسواء علينا أكان ذلك الاستدلال من قبيل الخاص بالنظر في العلم، أو كان من قبيل الاستدلال العامي، فإن الله سبحانه ذم أقوامًا قالوا: {إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} ، فكأنهم استدلوا إلى دليل جُمَليّ، وهو الآباء إذ كانوا عندهم من أهل العقل، وقد كانوا على هذا الدين، وليس إلا لأنه صواب، فنحن عليه؛ لأنه لو كان خطأ لما ذهبوا إليه. وهو نظير من يستدل على صحة البدعة بعمل الشيوخ ومن يشار إليه بالصلاح، ولا ينظر إلى كونه من أهل الاجتهاد في الشريعة أو من أهل التقليد، ولا كونه يعمل بعلم أو بجهل. ولكن مثل هذا يعد استدلالًا في الجملة من حيث جعل عمدةً في اتباع الهوى وإطراح ما سواه. فمن أخذ به فهو آخذ بالبدعة بدليل مثله، ودخل في مسمى أهل الابتداع، إذ كان من حق من كان هذا سبيله أن ينظر في الحق إن جاءه، ويبحث ويتأنى ويسأل حتى يتبين له فيتبعه، أو الباطل فيجتنبه. ولذلك قال تعالى ردًا على المحتجين بما تقدم: {قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آَبَاءَكُمْ} ، وفي الآية الأخرى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا} ، فقال تعالى: ... {أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} ، وفي الآية الأخرى: {أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} ، وأمثال ذلك كثير. وعلامة من هذا شأنه أن يردَّ خلاف مذهبه بما عليه من شبهة دليل تفصيلي أو إجمالي، ويتعصب لما هو عليه غير ملتفت إلى غيره، وهو عين اتباع الهوى. فهو المذموم حقًا. وعليه يحصل الإثم، فإن من كان مسترشدًا مال إلى الحق حيث وجده ولم يردّه، وهو المعتاد في طالب الحق. ولذلك بادر المحققون إلى اتباع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين تبين لهم الحق. فإن لم يجد سوى ما تقدم له من البدعة، ولم يدخل مع المتعصبين لكنه عمل بها، فإن قلنا: إن أهل الفترة معذبون على الإطلاق إذا اتبعوا من اخترع منهم، فالمتبعون للمبتدع إذا لم يجدوا محقًا مؤاخذون أيضًا. وإن قلنا: لا يعذبون حتى يبعث لهم الرسول وإن عملوا بالكفر فهؤلاء لا يؤاخذون ما لم يكن فيه