الصفحة 66 من 78

الثالث: الضلال بمعنى الذهاب عن علم حقيقة الأمر المطابقة للواقع، ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى} ، أي ذاهبًا عما تعلمه الآن من العلوم والمعارف التي لا تعرف إلا بالوحي فهداك إلى تلك العلوم والمعارف بالوحي. وحدد هذا المعنى قوله: تعالى عن أولاد يعقوب: {قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ} ، أي: ذهابك عن العلم بحقيقة أمر يوسف، ومن أجل ذلك تطمع في رجوعه إليك، وذلك لا طمع فيه على أظهر التفسيرات وقوله تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} أي: نذهب عن حقيقة علم المشهود به بنسيان أو نحوه، بدليل قوله: فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا (( (( (( (( (( ، وقوله تعالى: {قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى} .

قال الشاطبي في الإعتصام: ولنرد هذا الموضع شيئًا من البيان فإنه أكيد؛ لأنه تحقيق مناط الكتاب وما احتوى عليه من المسائل. فنقول وبالله التوفيق: إن لفظ أهل الأهواء وعبارة أهل البدع إنما تطلق حقيقةً على الذين ابتدعوها، وقدموا فيها شريعة الهوى بالاستنباط والنصر لها، والاستدلال على صحتها في زعمهم، حتى عد خلافهم، وشبههم منظورًا فيها، ومحتاجًا إلى ردها والجواب عنها. كما نقول في ألقاب الفرق من المعتزلة والقدرية والمرجئة والخوارج والباطنية ومن أشبههم، بأنها ألقاب لمن قام بتلك النِّحل ما بين مستنبط لها وناصر لها، وذاب عنها. كلفظ أهل السنة إنما يطلق على ناصريها، وعلى من استنبط على وفقها، والحامين لذمارها. ويرشح ذلك أن قول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا} ، يشعر بإطلاق اللفظ على من جعل ذلك الفعل الذي هو التفريق، وليس إلا المخترع أو من قام مقامه. وكذلك قوله تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا} ، وقوله تعالى: ... {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ (( (( (( ،} فإن اتباع المتشابه مختص بمن انتصب منصب المجتهد لا بغيره. وكذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم: حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم؛ لأنهم أقاموا أنفسهم مقام المستنبط للأحكام الشرعية المقتدى به فيها. بخلاف العوام، فإنهم متبعون لما تقرر عند علمائهم؛ لأنه فرضهم، فليسوا بمتبعين للمتشابه حقيقةً، ولا هم متبعون للهوى. وإنما يتبعون ما يقال لهم كائنًا ما كان، فلا يطلق على العوام لفظ أهل الأهواء حتى يخوضوا بأنظارهم فيها ويحسنوا بنظرهم ويقبحوا. وعند ذلك يتعين للفظ أهل الأهواء وأهل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت