فهرس الكتاب
- 📄
فيها، ولا شراب. والحرورية الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، وكان سعيد يسميهم الفاسقين. أهـ من البخاري. وما روي عن عليّ من أنهم أهل حروراء المعروفون بالحروريين معناه أنهم يكون فيهم من معنى الآية بقدر ما فعلوا؛ لأنهم يرتكبون أمورًا شنيعة من الضلال، ويعتقدون أنها هي معنى الكتاب والسنة، فقد ضل سعيهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا. وقوله: وا في ذلك أقل من الكفار المجاهرين؛ لأن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب كما قد قدمنا إيضاحه وأدلته.
وقوله: في هذه الآية الكريمة: {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ} ، أي: بطل واضمحل. وقد قدمنا أن الضلال يطلق في القرآن واللغة العربية ثلاثة إطلاقات:
الأول: الضلال بمعنى الذهاب عن طريق الحق إلى طريق الباطل. كالذهاب عن الإسلام إلى الكفر. وهذا أكثر استعمالاته في القرآن. ومنه قوله تعالى: ... {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} ، وقوله: {وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} .
الثاني: الضلال بمعنى الهلاك والغِيبة والاضمحلال، ومنه قول العرب: ضل السمن في الطعام إذا استهلك فيه وغاب فيه. ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} ، أي غاب واضمحل، وقوله هنا: {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ} ، أي: بطل واضمحل، وقول الشاعر:
ألم تسأل فتخبرك الديار عن ... الحي المضلل أين ساروا
أي عن الحي الذي غاب واضمحل، ومن هنا سمي الدفن إضلالًا؛ لأن مآل الميت المدفون إلى أن تختلط عظامه بالأرض، فيضل فيها كما يضل السمن في الطعام. ومن إطلاق الضلال على الدفن قول نابغة ذبيان:
فآب مضلوه بعين جلية ... وغودو بالجولان حزم ونائل
فقوله: «مضلوه» يعني دافنيه في قبره. ومن هذا المعنى قوله تعالى: {وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} ، فمعنى: {ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ} ، أنهم اختلطت عظامهم الرميم بها لغابت واستهلكت فيها.