الصفحة 69 من 78

وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ. وَقَدْ بَسَطْنَا الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ بَسْطًا كَثِيرًا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَالْمُخَالِفُونَ لَهُمْ كَأَبِي إسْحَاقَ الإسفراييني وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَشْعَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ يَقُولُونَ: هَذَا الْقَوْلُ أَوَّلُهُ سَفْسَطَةٌ وَآخِرُهُ زَنْدَقَةٌ وَهَذَا قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: إنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ فِي الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ فَهُوَ مُصِيبٌ بَاطِنًا وَظَاهِرًا؛ إذْ لا يَتَصَوَّرُ عِنْدَهُمْ أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا مُخْطِئًا إلا بِمَعْنَى أَنَّهُ خَفِيَ عَلَيْهِ بَعْضُ الأُمُورِ وَذَلِكَ الَّذِي خَفِيَ عَلَيْهِ لَيْسَ هُوَ حُكْمُ اللَّهِ, لا فِي حَقِّهِ, وَلا فِي حَقِّ أَمْثَالِهِ وَأَمَّا مَنْ كَانَ مُخْطِئًا وَهُوَ الْمُخْطِئُ فِي الْمَسَائِلِ الْقَطْعِيَّةِ فَهُوَ آثِمٌ عِنْدَهُمْ.

خامسًا: قول الله - عز وجل:

لَمْ {يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (1) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (2) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (3) وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (4) وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 1 - 5] .

وجه الاستدلال:

أن الله - عز وجل - سماهم كافرين ولم يكونوا منفكين، يعني: لم يكونوا زائلين عن شركهم هذا انتظارا للبينة، يعني: هم لم يقعوا في الكفر ولن يبتعدوا عن الكفر إلا أن تأتيهم البينة، لا، ليس هذا حالهم, أي: لا تحسب يا محمد أن هؤلاء إنما وقعوا في الكفر أو الشرك لعدم وجود البيِّنة بحيث أنه إذا جاءتهم البينة فسيزيلهم هذا عن شركهم وكفرهم, لا تحسب هذا.

الجواب:

أن الآية لم يُذْكر فيها منفكين عن ماذا. يعني: في الآية مقدر محذوف ولذلك فإن الرازي والواحدي والنحاس والزَّجَّاج والشنقيطي وابن تيمية والثعالبي وطائفة كبيرة من أهل اللغة يقولون: هذه أشكل سورة في كتاب الله.

والمعنى: لم يكن سبب كفرهم: فُقدان البيِّنة, بحيث إذا جاءت البيِّنة, آمنوا مباشرة, لا, فأسباب كفرهم: عبادتهم للهوى, بدليل أنه لمَّا جاءتهم البيِّنة وتيقَّنوا أنه بيِّنة, أعرضوا. وانظر إلى سياق الآية: (( (يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ(1) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (2) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (3) وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت