الصفحة 70 من 78

الْبَيِّنَةُ فلو كان ضلالهم بسبب: فقدان الدليل فقط, لكان مجيء الدليل كافيًا لهداية هؤلاء. فحيث أنه عندما جاءهم الدليل ضلوا وتفرقوا, فهذا دليل على أن سبب ضلالهم لم يكن فقدان الحق, وإنما السبب هو: عبادة الطواغيت, ومحبة اتِّباع الهوى.

قال الطبري:

وأولى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال: معنى ذلك: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين مفترقين في أمر محمد، حتى تأتيهم البيِّنة، وهي إرسال الله إياه رسولا إلى خلقه، رسول من الله.

وقوله: { (( (( (( (( (} في هذا الموضع عندي من انفكاك الشيئين أحدهما من الآخر، ولذلك صَلُح بغير خبر، ولو كان بمعنى ما زال، احتاج إلى خبر يكون تماما له [1] ...

قال الشيخ عطية محمد سالم: وقوله تعالى {: مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ} ، اخْتُلِفَ في {: مُنْفَكِّينَ} اختلافًا كثيرًا عند جميع المفسرين، حتى قال الفخر الرازي عند أول هذه السورة ما نصه:"قال الواحدي في كتاب البسيط: هذه الآية من أصعب ما في القرآن العظيم نظمًا وتفسيرًا، وقد تخبط فيها الكبار من العلماء."

ثم إنه رحمه الله لم يلخص كيفية الإشكال فيها.

وأنا أقول وجه الإشكال: أن تقدير الآية: (( ( {يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ} ، التي هي الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ثم إنه لم يذكر أنهم منفكون عَمَّاذا لكنه معلوم، إذ المراد هو الكفر الذي كانوا عليه.

فصار التقدير: لم يكن الذين كفروا منفكين عن كفرهم حتى تأتيهم البينة، التي هي الرسول، ثم قال بعد ذلك: {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ} ، وهذا يقتضي أن كفرهم قد ازداد عند مجيء الرسول - عليه السلام -، فحينئذٍ يحصل بين الآية الأولى والآية الثانية تناقض في الظاهر، هذا منتهى الإشكال فيما أظن. أهـ. حرفيًا.

وقد سقت كلامه لبيان مدى الإشكال في الآيتين، وهو مبني على أن منفكين بمعنى تاركين: وعليه جميع المفسرين.

(1) - جامع البيان في تأويل القرآن (24/ 540) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت