الصفحة 72 من 78

والمعنى: أن الله لا يخليهم ولا يتركهم، فهو لا يفكهم حتى يبعث إليهم رسولًا، وهذا كقوله: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى} , لا يؤمر، ولا ينهى، أي: أيظن أن هذا يكون؟ هذا ما لا يكون البتة، بل لابد أن يؤمر وينهى.

وقريب من ذلك قوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (4) أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ} [الزخرف: 3 - 5] . وهذا استفهام إنكار, أي: لأجل إسرافكم نترك إنزال الذكر، ونعرض عن إرسال الرسل.

تبين من ذلك كله أن الأصح في {: مُنْفَكِّينَ} معنى:"متروكين"وبه يزول الإشكال الذي أورده الفخر الرازي، ويستقيم السياق، ويتضح المعنى، وباللَّه تعالى التوفيق [1] .

وقال النيسابوري: استصعب بعض العلماء ومنهم الواحدي حل هذه الآية؛ لأنه تعالى لم يبيِّن أنهم منفكون عن أي شيء إلا أن الظاهر أنه يريد انفكاكهم عن كفرهم، ثم إنه فسر البينة بالرسول ومعلوم أن { (( (( } لانتهاء الغاية، فالآية تقتضي أنهم صاروا منفكين عن كفرهم عند إتيان الرسول وهذا ينافي قوله: {وَمَا تَفَرَّقَ ... } الآية.

والجواب على ما قال صاحب الكشاف: أن هذه حكاية كلام الكفار، وتقديره أن الكفار من الفريقين أهل الكتاب وَعَبَدة الأوثان كانوا يقولون قبل مبعث النبي - صلى الله عليه وسلم: لا ننفك عما نحن فيه من ديننا ولا نتركه حتى يُبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - الموعود الذي هو مكتوب في التوراة والإنجيل وهو محمد - صلى الله عليه وسلم -، فحكى الله تعالى ما كانوا يقولونه. ثم قال: {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} يعني أنهم كانوا يعدون اجتماع الكلمة والاتفاق على الحق إذا جاءهم الرسول. وقيل: فرقهم عن الحق ولا أقرهم على الكفر إلا مجيء الرسول. ونظيره من كلام البشر أن يقول الفاسق لمن يعظه: لستُ بممتنع مما أنا فيه من الأفعال القبيحة حتى يرزقني الله الغنى، فلما رزقه الغنى ازداد فسقًا، فيقول واعظه: لم تكن منفكًا عن الفسق حتى توسر وما غمست رأسك في الفسق إلا بعد اليسار، يذكِّره ما كان يقوله توبيخًا وإلزامًا؛ لأن الذي وقع كان خلاف ما ادعى. وقيل:

(1) - تتمة أضواء البيان (9/ 169 - 171) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت