الصفحة 73 من 78

إن ... { (( (( } للمبالغة فيؤول المعنى إلى قولك مثلًا: لم يكن الذين كفروا منفكين عن كفرهم وإن جاءتهم البينة.

وقال قوم: إنَّا لا نحمل قوله: {مُنْفَكِّينَ} ، على الكفر بل على كونهم منفكين عن ذكر محمد - صلى الله عليه وسلم - بالمناقب والفضائل، ثم لما جاءهم محمد تفرقوا وقال كل واحد فيه قولًا آخر رديئًا، فتكون الآية كقوله: وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ [البقرة: 89] ولا يبعد في هذا الوجه أن يكون بعضهم قد قال في محمد - صلى الله عليه وسلم - قولًا حسنًا وآمن به؛ لأن التفرق يحصل بأن لا يكون الجميع باقين على حالهم الأولى، فإذا صار بعضهم مؤمنًا وبعضهم كافرًا على اختلاف طرق الكفر حصل التفرقة. ولا يبعد أيضًا أن يراد أنهم لم يكونوا منفكين عن اتفاق كلمتهم على كفرهم حتى جاءهم الرسول فحينئذ تفرقوا، وما بقوا على ذلك الائتلاف واضطربت أقوالهم [1] .

قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى - كتاب التفسير: بَيَانٌ مِنْهُ أَنَّ الْكُفَّارَ لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَدَعَهُمْ وَيَتْرُكَهُمْ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْكُفْرِ. بَلْ لا يَفُكُّهُمْ حَتَّى يُرْسِلَ إلَيْهِمْ الرَّسُولَ بَشِيرًا وَنَذِيرًا {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى} [النجم: 31] . وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ { (( (( } حَرْفُ غَايَةٍ وَمَا بَعْدَ الْغَايَةِ يُخَالِفُ مَا قَبْلَهَا كَمَا فِي قَوْلِهِ: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: 187] . وَقَوْلِهِ: {حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222] وَقَوْلِهِ: {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230] . وَنَظَائِرُ ذَلِكَ. فَلَوْ أُرِيدَ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مُنْتَهِينَ وَيُؤْمِنُونَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ الْحَقُّ لَزِمَ أَنْ يَكُونُوا كُلَّهُمْ بَعْدَ مَجِيءِ الْبَيِّنَةِ قَدْ انْتَهَوْا وَآمَنُوا. فَإِنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ فِيهِمْ. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّهُمْ كَانُوا مُتَّفِقِينَ عَلَى تَصْدِيقِ الرَّسُولِ حَتَّى بُعِثَ لَزِمَ أَنْ يَكُونُوا كُلَّهُمْ كَانُوا يَعْرِفُونَهُ قَبْلَ إرْسَالِهِ إلَيْهِمْ وَأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ بَعْدَ إرْسَالِهِ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا. وَكِلَاهُمَا بَاطِلٌ. فَكَثِيرٌ مِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إلَّا أَمَانِيَّ وَلَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ مَا فِي الْكُتُبِ مِنْ بَعْثِهِ وَمِنْ أُمُورٍ أُخَرَ. وَلَمَّا بُعِثَ فَقَدْ آمَنَ بِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَلَمْ يَتَفَرَّقُوا كُلُّهُمْ عَنْ الإِيمَانِ بِهِ. وَحِينَئِذٍ فَالآيَةُ لَمْ تَتَضَمَّنْ مَدْحَهُمْ مُطْلَقًا كَمَا ظَنَّ مَنْ ظَنَّ أَنَّ مَعْنَاهَا أَنَّهُمْ لَمْ يَنْتَهُوا وَلَمْ يُؤْمِنُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ الْحَقُّ. وَلَا تَتَضَمَّنُ ذَمَّهُمْ مُطْلَقًا كَمَا ظَنَّ مَنْ ظَنَّ أَنَّهُمْ لَمَّا جَاءَهُمْ الرَّسُولُ

(1) - تفسير النيسابوري على هامش الطبري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت