الصفحة 74 من 78

تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا بَعْدَ مَا كَانُوا مُتَّفِقِينَ عَلَى التَّصْدِيقِ؛ بَلْ تَضَمَّنَتْ مَدْحَ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِالرَّسُولِ. وَذَمَّ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ وَالْإِخْبَارُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إرْسَالِ الرَّسُولِ إلَيْهِمْ فَيُؤْمِنُ بِهِ بَعْضُهُمْ وَيَكْفُرُ بَعْضٌ. قَالَ تَعَالَى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ [البقرة: 253] . َكَذَلِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَمْ يَكُنْ لِيَتْرُكَهُمْ حَتَّى يَبْعَثَ إلَيْهِمْ الرَّسُولَ بِالْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ. فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ} . وَهُمْ إذَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَةُ مِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَكْفُرُ. وَإِذَا قِيلَ: إنَّ الْآيَةَ تَتَضَمَّنُ بَعْدَ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْآخَرِ وَهُوَ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا لِيَهْتَدُوا وَيَعْرِفُوا الْحَقَّ وَيُؤْمِنُوا حَتَّى تَأْتِيَهُمْ الْبَيِّنَةُ إذْ لَا طَرِيقَ لَهُمْ إلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ إلَّا بِرَسُولِ يَأْتِي مِنْ اللَّهِ أَيْضًا؛ أَوَلَمْ يَكُونُوا مُنْتَهِينَ مُتَّعِظِينَ وَإِنْ عَرَفُوا الْحَقَّ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ مِنْ اللَّهِ مَنْ يُذَكِّرُهُمْ؛ فَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُنَاقِضُ ذَاكَ. بِخِلَافِ قَوْلِ مَنْ قَالَ: لَمْ يَكُنْ الْمُشْرِكُونَ وَأَهْلُ الْكِتَابِ تَارِكِينَ لِمَعْرِفَةِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - وَلِذِكْرِهِ وَلَمْ يَكُونُوا مُتَفَرِّقِينَ فِيهِ بَلْ مُتَّفِقِينَ عَلَى الْإِيمَانِ بِهِ حَتَّى جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَةُ فَتَرَكُوا الْإِيمَانَ بِهِ وَتَفَرَّقُوا. فَإِنَّ هَذَا غَيْرُ مُرَادٍ قَطْعًا. وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: { (( (( (تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ} ، وَلَمْ يَقُلْ"حَتَّى أَتَتْهُمْ"وَأُولَئِكَ لَمَّا لَمْ يَفْهَمُوا مَعْنَى الْآيَةِ ظَنُّوا أَنَّ الْمَوْضِعَ مَوْضِعَ الْمَاضِي وَأَنَّ الْمُرَادَ: مَا انْفَكُّوا عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ إمَّا مِنْ كُفْرٍ وَإِمَّا مِنْ إيمَانٍ حَتَّى أَتَتْهُمْ الْبَيِّنَةُ. فَلَمَّا قِيلَ: { (( (( (تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ} ، أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَمَّا تَأْتِهِمْ كُلَّهَا. وَأَمَّا عَلَى الْمَعْنَى الصَّحِيحِ فَالْمَوْضِعُ مَوْضِعُ الْمُضَارِعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} . فَإِنَّ الْمُرَادَ: مَا كَانُوا مَفْكُوكِينَ مَتْرُوكِينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمْ الْبَيِّنَةُ. وَهُوَ سُبْحَانَهُ قَالَ: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا} . و: { (( } ، وَإِنْ كَانَتْ تَقْلِبُ الْمُضَارِعَ مَاضِيًا فَذَاكَ إذَا تَجَرَّدَ فَقِيلَ"لَمْ يَأْتِ"و"لَمْ يَذْهَبْ"فَمَعْنَاهُ"مَا أَتَى"و"مَا ذَهَبَ". وَأَمَّا إذَا قِيلَ"لَمْ يَكُنْ يَفْعَلُ هَذَا"و: {لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا} فَالْمَقْصُودُ مَعْنَى الْفِعْلِ الدَّائِمِ مُطْلَقًا. وَإِذَا قِيلَ"لَمْ يَكُنْ فُلَانٌ آتِيًا حَتَّى يَذْهَبَ إلَيْهِ فُلَانٌ"بِخِلافِ مَا إذَا قُلْت"لَمْ يَكُنْ فُلَانٌ قَدْ أَتَى حَتَّى ذَهَبَ إلَيْهِ فُلَانٌ". وَلَوْ قِيلَ"مَا"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت