الصفحة 150 من 703

إذن: مثل هذه العمومات تدخلها احتمالات كثيرة. ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - يخبر عن رب العزة أنه يقول: أَخْرِجُوا مُنْ كَانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ الإيمان .... نصف دينار ... مثقال ذرة ... .

فما هو الإيمان؟

الإيمان هو: اعتقاد بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح. وبعضهم يقول: الإيمان قول وعمل، يريد بذلك: قولٌ بالقلب وباللسان، وعمل بالقلب وبالجوارح.

فعندما يأتي أهل العلم ويقولوا: والإيمان وإن كان في اللغة هو التصديق إلا أنه ضُمَّ إليه غيره بالأدلة الشرعية فلابد أن يكون هذا التصديق بالقول واللسان مع إضافة الأعمال فهي داخلة في مسمي الإيمان.

وابن حزم وهو يردُّ علي المرجئة والخوارج والمعتزلة [1] قال لهم: الله - عز وجل - يقول: {لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ} [الفتح: 4] . وقال: {وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} [الأحزاب: 22] .

فإذن: الإيمان قابل للزيادة بنص القرآن، وما كان قابلًا للزيادة فهو قبل أن يزيد كان ناقصًا، فكل ما قبل الزيادة قبل ولابد للنقصان.

فإذا قلنا: الإيمان هو الإقرار باللسان، فكيف يدخل الشك والنقص في هذا الإقرار؟ فليس من جهة الإقرار باللسان إلا أن ينطق الإنسان أو لا ينطق.

إذن: فالتصديق ليس فيه زيادة ولا نقصان [2] ، فهو إما أن يكون تصديقًا، وإما أن يكون تكذيبًا وإما أن يكون مترددًا بين الاثنين وهو الشك وهذا بدليل الاستقراء.

(1) - لأن الإيمان عند كل هؤلاء لا يزيد ولا ينقص، فعند المرجئة: الإيمان ثابت، وعند الخوارج والمعتزلة بمُجَرَّد معصية واحدة فإنه يفقد الإيمان ويكون كافرًا والعيااااذ بالله، نعوذ بالله من المرجئة والخوارج والمعتزلة.

(2) - أعلمُ أن البعض سيقول: فماذا تقول في قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 260] ؟

أقول: هناك بحث في هذا الأمر وليس هذا موضعه لكن على كلٍ فهذا لا يتعلق بالتصديق وإنما سأل إبراهيم - عليه السلام - ربه عن كيفية إحياء الموتى فهو لم يقل: رب أرني هل تحي وتميت؟ وإنما قال: رب أرني كيف تحي الموتى. وإن كان بعض المفسرين رُوِىَ عنهم أنهم قالوا ذلك.

وكذلك: قول النبي - صلى الله عليه وسلم: نحن أولى بالشك من إبراهيم. معناه: نحن أولى بالشك من إبراهيم ومع ذلك لم نشك فََلََئَلا يشك إبراهيم - عليه السلام - من باب الأولى والأحرى، لا كما يفهمه البعض: نحن أولى بالشك يعني أن إبراهيم - عليه السلام - شك في قدرة الله - عز وجل - في الإحياء. وهذا لا يجوز على إبراهيم - عليه السلام - فهو لم يسأل عن أصل الأمر وإنما سأل عن الكيفية. ولكن لما كان هذا الأسلوب يُستخدم أحيانًا عندما لا يُصدِّق الإنسان بإمكان فعل هذه الفعلة كمن مثلًا يقول لك: أنا قوي وأستطيع أن أرفع أي أثقالٍ كانت، فتقول له: إذن: أرني كيف ترفع هذه الأثقال؟ يعني: لن تقدر، ولذلك جاء سؤال الرب - عز وجل - لينفي عن إبراهيم هذه التُّهَمَة التي قد يتوهمها متوهم، فقال:. {أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت