الصفحة 199 من 703

ج 3: أولًا: معنى الطاغوت العام: هو كل ما عُبِدَ من دون الله مطلقًا تقرُّبًا إليه بصلاةٍ أو صيامٍ أو نذرٍ أو ذبيحةٍ أو لجوءٍ إليه فيما هو من شأن الله؛ لكشفِ ضرٍ أو جلبِ نفعٍ أو تحكيمًا له بدلًا من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ونحو ذلك. [1]

والمراد بالطاغوت في الآية: كل ما عدل عن كتاب الله تعالى وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - إلى التحاكم إليه من نظم وقوانين وضعية أو تقاليد وعادات متوارثة أو رؤساء قبائل؛ ليفصل بينهم بذلك، أو بما يراه زعيم الجماعة أو الكاهن. ومن ذلك يتبين: أن النظم التي وضعت ليتحاكم إليها مضاهاة لتشريع الله داخلة في معنى الطاغوت، لكن من عُبِدَ من دون الله وهو غير راضٍ بذلك كالأنبياء والصالحين لا يُسمَّى طاغوتًا، وإنما الطاغوت: الشيطان الذي دعاهم إلى ذلك وزينه لهم من الجن والإنس.

ثانيًا: المراد بالإرادة في قوله تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا} [النساء:60] ما صَحِبَه فعل أو قرائن وإمارات تدل على القصد والإرادة، بدليل ما جاء في الآية التي بعد هذه الآية: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} ويدل على ذلك أيضًا:

سبب النزول الذي ذكره ابن كثير وغيره في تفسير هذه الآية [2] ، وكذلك المتابعة دليل الرضا، وبذلك يزول الإشكال القائل: إن الإرادة أمر باطن فلا يُحكم على المريد إلا بعلمها منه وهو غير حاصل.

(1) = وانقسام: أي: أن الحكم ينقسم إلى حكم تكليفي وحكم وضعي , والحكم التكليفي ينقسم إلى خمسة أشياء , ومنهم من زاد عليهم (الصحة والفساد والأداء والقضاء والرخصة والعزيمة) ...

والتَّعلُّق هو: أن الحكم يحتاج إلى حاكم , ومحكوم عليه , ومحكوم فيه , ومُظهر للحكم. ...

فعندما نقول: يحتاج إلى حاكم , سيتبيَّن أن لا حاكم إلا الله , فلا حكم للرسول - صلى الله عليه وسلم - ولا للسيد على العبد , ولا لمخلوق على مخلوق , بل كل ذلك لله - عز وجل -.

والمحكوم عليه هو المكلَّف , وهل يُكلَّف السكران والمجنون والصبي والكافر بفروع الشريعة والمُكره ..

والمحكوم فيه: هو فعل المكلَّف. فيقول: شرب الخمر حرام. من أين استفدتَ ذلك؟ يقول: من النص -وهو قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في صحيح مسلم من حديث ابن عمر: كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ (1) . ومن شربه قد أتى بفسق. لكن هل يُحكم على هذا الذي شرب الخمر بأنه فاسق؟ هنا نبحث عن المُظهر للحكم. وعندما نتكلم عن المُظهر للحكم، نتكلم عن الشروط والموانع والعلة والمحل والعلامة ... لكن نحن نتكلم عن حكم نظري محض , أما ظهوره على فلان , فهذا يحتاج إلى تفصيلات.

ــــــــــــــ

1 -أخرجه مسلم (5339) , كتاب الأشربة , باب: بَيَانِ أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَأَنَّ كُلَّ خَمْرٍ حَرَامٌ. وابن ماجة (3390) في كتاب الأشربة. وأحمد (4830) .

(2) - هذا الحديث قال بعضهم أنَّه منقطع , وشيخ الإسلام قال: يتقوى بالطرق , وحكم بذلك أيضًا الحافظ في الفتح , وأيًَّا كان الأمر فأنا لا أحتج بالحديث , وإنما أردتُ فقط أن أبيِّن ما أراده ابن كثير وما أراده شيخ الإسلام في الصارم المسلول , وما أشارت إليه اللجنة الدائمة حين قالت:"ويدل على ذلك أيضًا: سبب النزول الذي ذكره ابن كثير وغيره في تفسير هذه الآية".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت