فهرس الكتاب
لا ندري! حتى أنهم في المسائل التي أجمع العلماء على تكفير من وَقَعَ فيها كَسَبِّ الله - عز وجل -، وسَبِّ نبيه - صلى الله عليه وسلم -، لهم كلام تقشعر له الجلود، لابد أن من سَبَّ الله - عز وجل - يقول: أنا مستحل لسب الله، (( و ) )إِنْ سَبَّ الرب - عز وجل - لابد أن يقول: أنا مستحل لسب الرب - عز وجل -! ... وهكذا.
يقول:
فلا يجوز أن نكفر العصاة المتلبسين بشيء من المعاصي لمجرد ارتكابهم لها [1] ، واستحلالهم إياها عمليًا، إلا إذا ظهر - يقينًا - لنا منهم - يقينًا - ما يكشف لنا عما في قرارة نفوسهم أنهم لا يُحَرّمُون ما حرم الله ورسوله اعتقادًا؛ فإذا عرفنا أنهم وقعوا في هذه المخالفة القلبية حكمنا حينئذ بأنهم كفروا كفر ردة.
أما إذا لم نعلم ذلك فلا سبيل لنا إلى الحكم بكفرهم؛ لأننا نخشى أن نقع تحت وعيد قوله عليه الصلاة والسلام: إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما [2] .
والأحاديث الواردة في هذا المعنى كثيرة جدًا، أذكر منها حديثًا ذا دلالة كبيرة، وهو في قصة ذلك الصحابي الذي قاتل أحد المشركين، فلما رأى هذا المُشرك أنه صار تحت ضربة سيف المسلم الصحابي، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فما بالاها الصحابي فقتله، فلما بلغ خبره النبي - صلى الله عليه وسلم - أنكر عليه ذلك أشد الإنكار، فاعتذر الصحابي بأن المشرك ما قالها إلا خوفًا من القتل، وكان جوابه - صلى الله عليه وسلم: هلاّ شققت عن قلبه؟!. أخرجه البخاري ومسلم من حديث أسامة بن زيد - رضي الله عنه -.
(( قال مقيده ) ):
هذا الحديث مع احترامنا للشيخ ~ يدل تمامًا على عكس ما ذهب إليه، فهذا الحديث يدل على أن الأحكام الشرعية تجري على الظاهر إذا أن البواطن لا يعلمها إلا الله - عز وجل -، فمن أظهر لنا الإسلام رضينا منه، ومن أظهر لنا خلاف ذلك من أمور، فإن كان جاهلًا أقيمت عليه الحجة، وإن كان عالمًا عارفًا، فينبغي أن يُلحق به الحكم الشرعي المناسب له. فالحديث يدل على خلاف ما يدندن حوله الشيخ ~؛ لأن الحديث فيه أن الرجل نطق الشهادتين فينبغي أن يكون مسلمًا، فلا
(1) - قال الشيخ: وهذا حق - عدم التكفير بالمعصية - والتكفير بالمعصية هو مذهب الخوارج والمعتزلة، على تفصيل للمعتزلة فهم لم يحكموا عليه بالكفر في الدنيا وأنزلوه منزلة بين المنزلتين، المعروفة بمنزلة الفاسق الملِّي لكنهم حكموا عليه بالخلود في النار أبدًا، فتلاقوا مع الخوارج في حكم الآخرة.
(2) - رواه البخاري: (10/ 428) . ومسلم: (60) عن ابن عمر. وفي الباب عن أبي ذر عند البخاري (10/ 388) .