وأما في الحكم بين الناس فيختلفون ... ولهم شبهة يوردها لهم بعض علماء السوء، يقولون: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: أَنْتُمْ أَعْلَمُ بأمور دُنْيَاكُمْ [1] . وهذا عام، فكل ما تصلح به الدنيا فلنا الحرية فيه؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: أَنْتُمْ أَعْلَمُ بأمور دُنْيَاكُمْ!!.
وهذه - لا شك - شبهة. لكن هل هو مسوغ لهم في أن يخرجوا عن قوانين الإسلام في إقامة الحدود، ومنع الخمور وما شابه ذلك؟.
وعلى فرض أن يكون لهم في بعض النواحي الاقتصادية شبهة، فإن هذا ليس فيه شبهة [2] .
وأما تمام الإشكال المطروح فيقال فيه: إذا كان الله تعالى بعد أن فرض القتال قد قال: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ} [الأنفال: 65] . فكم هؤلاء؟! واحدٌ بعشرة. ثم قال: {الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَن فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 66] وقد قال بعض العلماء: إن ذلك في وقت الضعف، والحكم يدور مع علته فبعد أن أوجب الله عليهم مصابرة العشرة قال: {الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَن فِيكُمْ ضَعْفًا} . ثم نقول: إن عندنا نصوصًا محكمة تبيِّن هذا الأمر، وتوضحه؛ منها قوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} . [البقرة: 286] . فالله سبحانه لا يكلف نفسًا إلا وسعها وقدرتها، والله سبحانه يقول أيضًا: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} . [التغابن: 16] .
فلو فرضنا - بحسب الشروط والضوابط التي ذكرها العلماء الأجلاَّء - أن الخروج المشار إليه على هذا الحاكم واجب، فإنه لا يجب علينا ونحن لا نستطيع إزاحته، فالأمر واضح ... ولكنه الهوى يهوي بصاحبه.
إذن: الكلام الذي يعنينا في الجزء الأول منه: هل هناك شبهة؟ مع ما خَلَصْنا إليه من كلام الشيخ.
(1) - أخرجه مسلم (6277) في كتاب الفضائل، باب: وُجُوبِ امْتِثَالِ مَا قَالَهُ شَرْعًا دُونَ مَا ذَكَرَهُ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ مَعَايِشِ الدُّنْيَا عَلَى سَبِيلِ الرَّأْيِ. وابن ماجة (2471) في كتاب الرهون، باب: تلقيح النخل. وأحمد (12544، 24920) عن عائشة وأنس.
(2) - إذن: حاصل كلام الشيخ في النهاية أنهم ليس لهم شبهة.