فأجاب فضيلته عن هذه الشبهة فقال: لابد أن نعلم أولًا هل انطبق عليهم وصف الردة أم لا [1] ؟
وهذا يحتاج إلى معرفة الأدلة الدالة على أن هذا القول أو الفعل ردة، ثم تطبيقها على شخص بعينه، وهل له شبهة أم لا [2] ؟
يعني: قد يكون النص قد دل على أن هذا الفعل كفر، وهذا القول كفر، لكن هناك مانع يمنع من تطبيق حكم الكفر على هذا الشخص المعين.
والموانع كثيرة، منها: الظن - وهو جهل - ومنها: الغلبة.
فالرجل الذي قال لأهله: إذا مت فحرقوني واسحقوني في اليم، فإن الله لو قدر عليّ ليعذبني عذابًا لا يعذبه أحد من العالمين؛ - والحديث أخرجه البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - هذا الرجل ظاهر عقيدته الكفر والشك في قدرة الله، لكن الله لما جمعه وخاطبه قال: يارب إني خشيت منك أو كلمة نحوها، فغفر له، فصار هذا الفعل منه تأويلًا [3] . (أي غير مقصود له، ولا مُراد منه) .
ومثل ذلك الرجل الذي غلبه الفرح، وأخذ بناقته قائلًا: اللهم أنت عبدي وأنا ربك!! - أخرجه البخاري، ومسلم عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - كلمة كفر، لكن هذا القائل يكفر؟ لا يكفر؛ لأنه مغلوب عليه، فمن شدة الفرح أخطأ، أراد أن يقول: اللهم أنت ربي وأنا عبدك، فقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك!.
والمكره يكره على الكفر فيقول كلمة الكفر، أو يفعل فعل الكفر، ولكن لا يكفر بنص القرآن [4] ؛ لأنه غير مريد، وغير مختار.
وهؤلاء الحكام، نحن نعرف أنهم في المسائل الشخصية - كالنكاح والفرائض وما أشبهها - يحكمون بما دل عليه القرآن على اختلاف المذاهب.
(1) - يعني: تحقيق المناط أو العلة حتى نُنَزِّلَ الحكم على معين.
(2) - وطبعًا: هذا الكلام نحن نوافق عليه جدًا، وأنا لا أقصد بـ"نوافق عليه": أن نجعل أنفسنا حكامًا على كلام الشيخ ابن عثيمين، حاشا لله، ولكن أقصد: أن هذا ما ندينُ الله - عز وجل - به.
(3) - يعني: يريد أن يقول: المتأول، الجاهل، المغلوب بخوف، أو فرح كمن قال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك ... وهكذا.
(4) - لقوله تعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل: 61] . وكلام الشيخ في هذه المسألة مركب من شَقِّين، الشق الأول: معرفة أن هذا القول أو الفعل ردة. (( الشق الثاني ) ): التوقيع على المعين بعد تحقق الشروط وانتفاء الموانع.