أول عاصٍ لله - عز وجل -؛ لأنه يلزم على كلامه هذا أنه يجب عليه إذا لقي أي مشرك أن يقتله مباشرة. فلماذا لم يفعل هذا الأمر طِيلة السنين السابقة من عمره، ولماذا حمل هذا الحكم على الحكَّام؟ لماذا لم يقتل هو كل مشرك لَقيه من يهودي أو نصراني أو علماني ... أو ما إلى ذلك؟
فهذه معصية، هو أول العصاة لله - عز وجل -.
إن قال: لأن هناك ... سنقول: انتظر، تعال لنناقشك في"لأن هناك ..."سيرجع حتمًا عن هذا المذهب الباطل، وما ذهب أحد إلى أن هذه الآية ناسخة، وقولهم: ناسخة كقول صاحب"المبسوط"الإمام السَّرْخَسِيّ ~، يراد بذلك: أن هذا آخر حكم، لكنها عند جماهير أهل العلم - كما بيَّناه سابقًا، وكما سيأتي تفصيله إن شاء الله - من قبيل وليس من قبيل المنسوء المُنسَأ، وليس من قبيل المنسوخ.
يعني: هذه الآيات نزلت في حالات مختلفة فكل حالة يُعمل فيها بالآية التي تناسبها، وقد قرأتُ عليكم - على ما أعتقد - كلام شيخ الإسلام، أنه في حال الاستضعاف يأتي قوله تعالى: {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ... } ، [البقرة: 109 - 110] ، {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ ... } [النساء: 77] إلى آخره.
وقرأتُ في حينه كلام الإمام الزركشي في كتابه"البرهان في علوم القرآن"وكيف أن هذا مذهب عامة أهل العلم أن هذه الآيات يُعمل بها في مواضعها وليس شيئًا منها منسوخ.
قد يقول قائل: لماذا تَأَوَّلْتَ كلام السَّرخسي؟
تأويلي لكلام السَّرخسي؛ ليوافق كلام عامة أهل العلم وإلا فقل: المسألة خلافية، توافق على هذا؟
فبم يثبت النسخ؟ بنص أو إجماع، والأصل الإعمال لا الإهمال، والجمع بين النصوص ما أَمكن
، ولا يُصار إلى النسخ إلا عند استحالة الجمع بين النصين، ومعرفة التاريخ. كل هذه القواعد لن تحدَها هاهنا. فلن تستطيع أن تقول: هذه الآية نص في أنها نسخت ما قبلها من الآيات، أبدًا، سنقول: إنها محمولة على حالة معينة، ولا إجماع في المسألة، بل عامة أهل العلم على أن هذه الآية ليست ناسخة، وأن الآيات السابقة ليست منسوخة.
نكمل كلام ابن عثيمين: