الصفحة 371 من 703

• سورة المائدة التي فيها هذه الآية: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} ، أليست سورة المائدة آخر سورة نزلت كما قال البراء بن عازب - رضي الله عنه -؟

يعني: إذن نزلت بعد موت النجاشي، وهذه الآية فيها.

فهل بذلك يستقيم استدلالٌ لهذا الأستاذ؟

فما هي المسألة؟

حتى لا يقول قائل: أنتَ رددتَ كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، مع أنه قال: وقيل .. ويُروى .. وما إلى ذلك.

لِننظرَ ماذا قال في مجموع الفتاوى وهو يُبيِّن أن النجاشي لم يُطبق شريعة الله - عز وجل -؛ لأن قومه لم يُمكنوه من ذلك، وهو لا يستطيع الهجرة، يعني كان مُكرهًا.

ابن تيمية ساق هذه القصة في مسألة الإكراه، والعجز عن تنفيذ شيء من الشرائع.

قال: وَأَمَرَ بِتَقْوَاهُ بِقَدْرِ الِاسْتِطَاعَةِ فَقَالَ: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} . [التغابن: 16] ، وَقَدْ دَعَاهُ الْمُؤْمِنُونَ بِقَوْلِهِمْ: {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} . [البقرة: 286] فَقَالَ:"قَدْ فَعَلْت [1] ". فَدَلَّتْ هَذِهِ النُّصُوصُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا مَا تَعْجِزُ عَنْهُ خِلَافًا للجهمية الْمُجْبِرَةِ وَدَلَّتْ عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤَاخِذُ الْمُخْطِئَ وَالنَّاسِيَ خِلَافًا لِلْقَدَرِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ. وَهَذَا فَصْلُ الْخِطَابِ فِي هَذَا الْبَابِ. فَالْمُجْتَهِدُ الْمُسْتَدِلُّ مِنْ إمَامٍ وَحَاكِمٍ وَعَالِمٍ وَنَاظِرٍ وَمُفْتٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ: إذَا اجْتَهَدَ وَاسْتَدَلَّ فَاتَّقَى اللَّهَ مَا اسْتَطَاعَ كَانَ هَذَا هُوَ الَّذِي كَلَّفَهُ اللَّهُ إيَّاهُ وَهُوَ مُطِيعٌ لِلَّهِ مُسْتَحِقٌّ لِلثَّوَابِ إذَا اتَّقَاهُ مَا اسْتَطَاعَ وَلَا يُعَاقِبُهُ اللَّهُ أَلْبَتَّةَ خِلَافًا للجهمية الْمُجْبِرَةِ وَهُوَ مُصِيبٌ؛ بِمَعْنَى: أَنَّهُ مُطِيعٌ لِلَّهِ لَكِنْ قَدْ يَعْلَمُ الْحَقَّ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَقَدْ لَا يَعْلَمُهُ خِلَافًا لِلْقَدَرِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ فِي قَوْلِهِمْ: كُلُّ مَنْ اسْتَفْرَغَ وُسْعَهُ عَلِمَ الْحَقَّ فَإِنَّ هَذَا بَاطِلٌ كَمَا تَقَدَّمَ بَلْ كُلُّ مَنْ اسْتَفْرَغَ وُسْعَهُ اسْتَحَقَّ الثَّوَابَ. وَكَذَلِكَ الْكُفَّارُ: مَنْ بَلَغَهُ دَعْوَةُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي دَارِ الْكُفْرِ وَعَلِمَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ فَآمَنَ بِهِ وَآمَنَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ؛ وَاتَّقَى اللَّهَ مَا اسْتَطَاعَ كَمَا فَعَلَ النَّجَاشِيُّ وَغَيْرُهُ وَلَمْ تُمْكِنْهُ الْهِجْرَةُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَا الْتِزَامُ جَمِيعِ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ؛ لِكَوْنِهِ مَمْنُوعًا مِنْ الْهِجْرَةِ وَمَمْنُوعًا مِنْ إظْهَارِ دِينِهِ وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَنْ يُعَلِّمُهُ جَمِيعَ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ: فَهَذَا مُؤْمِنٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. كَمَا كَانَ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ مَعَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ

(1) - أخرجه مسلم (345) في كتاب الإيمان، باب: قوله تعالى: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ ... } . [البقرة: 284] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت