(1) = فقوله: {هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ} صيغة تعجيز، فهم عاجزون عن بيان مستند التحريم , وذلك واضح في أن غير الله لا يتصف بصفات التحليل ولا التحريم , ولما كان التشريع وجميع الأحكام، شرعية كانت أو كونية قدرية، من خصائص الربوبية , كما دلت عليه الآيات المذكورة كان كل من اتبع تشريعًا غير تشريع الله قد اتخذ ذلك المشرع ربًا، وأشركه مع الله.
والآيات الدالة على هذا كثيرة، وقد قدمناها مرارًا وسنعيد منها ما فيه كفاية، فمن ذلك وهو من أوضحه وأصرحه، أنه في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقعت مناظرة بين حزب الرحمن، وحزب الشيطان، في حكم من أحكام التحريم والتحليل , وحزب الرحمن يتبعون تشريع الرحمن، في وحيه في تحريمه، وحزب الشيطان يتبعون وحي الشيطان في تحليله.
وقد حكم الله بينهما وأفتى فيما تنازعوا فيه فتوى سماوية قرآنية تتلى في سورة الأنعام.
وذلك أن الشيطان لما أوحى إلى أوليائه فقال لهم في وحيه: سلوا محمدًا عن الشاة تصبح ميتة من هو الذي قتلها؟ فأجابوهم أن الله هو الذي قتلها.
فقالوا: الميتة إذن ذبيحة الله، وما ذبحه الله كيف تقولون إنه حرام؟ مع أنكم تقولون إنما ذبحتموه بأيديكم حلال، فأنتم إذن أحسن من الله وأحل ذبيحة.
فأنزل الله بإجماع من يعتد به من أهل العلم قوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 121] , يعني الميتة؛ أي وإن زعم الكفار أن الله ذكاها بيده الكريمة بسكين من ذهب: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} [الأنعام: 121] , والضمير عائد إلى الأكل المفهوم من قوله: {وَلَا تَأْكُلُوا} . وقوله: {لَفِسْقٌ} , أي خروج عن طاعة الله، واتباع لتشريع الشيطان: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى (( (( (( (( (( (( (( (( لِيُجَادِلُوكُمْ} [الأنعام: 121] , أي بقولهم: ما ذبحتموه حلال وما ذبحه الله حرام، فأنتم إذن أحسن من الله، وأحل تذكية.
ثم بيَّن الفتوى السماوية من رب العالمين، في الحكم بين الفريقين في قوله تعالى: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام:121] , فهي فتوى سماوية من الخالق - جل وعلا - صرح فيها بأن متبع تشريع الشيطان المخالف لتشريع الرحمن مشرك بالله.
وهذه الآية الكريمة مَثَّلَ بها بعض علماء العربية لحذف اللام الموطئة للقسم، والدليل على اللام الموطئة المحذوفة عدم اقتران جملة {إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام:121] بالفاء؛ لأنه لو كان شرطًا لم يسبقه قسم لقيل:"فإنكم لمشركون"على حد قوله في ..."الخلاصة":
واقرن بفا حتمًا جوابًا لو جعل شرطًا لإن أو غيرها لم ينجعل
وهو مذهب سيبويه، وهو الصحيح، وحذف الفاء في مثل ذلك من ضرورة الشعر.
وما زعمه بعضهم من أنه يجوز مطلقًا، وأن ذلك دلت عليه آيتان من كتاب الله.
إحداهما: قوله تعالى: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} .
والثانية: قوله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشورى: 30] بحذف الفاء في قراءة نافع وابن عامر من السبعة خلاف التحقيق.
بل المسوغ لحذف الفاء في آية: {إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} , تقدير القسم المحذوف قبل الشرط المدلول عليه بحذف الفاء على حد قوله في"الخلاصة":
واحذف لدى اجتماع شرط وقسم جواب ما أخرت فهو ملتزم
وعليه: فجملة {إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} , جواب القسم المقدر، وجواب الشرط محذوف , فلا دليل في الآية لحذف الفاء المذكور.