الصفحة 378 من 703

(1) = والمسوغ له في آية {فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} أن ما في قراءة نافع وابن عامر موصولة كما جزم به غير واحد من المحققين، أي والذي أصابكم من مصيبة كائن وواقع بسبب ما كسبت أيديكم.

وأما على قراءة الجمهور: فـ"ما"موصولة أيضًا، ودخول الفاء في خبر الموصول جائز كما أن عدمه جائز , فكلتا القراءتين جارية على أمر جائز.

ومثال دخول الفاء في خبر الموصول قوله تعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 274] , وهو كثير في القرآن. وقال بعضهم: إن"ما"في قراءة الجمهور شرطية، وعليه فاقتران الجزاء بالفاء واجب , أما على قراءة نافع وابن عامر، فهي موصولة ليس إلا , كما هو التحقيق إن شاء الله.

وكون"ما"شرطية على قراءة , وموصولة على قراءة لا إشكال فيه؛ لما قدمنا من أن القراءتين في الآية الواحدة كالآيتين.

ومن الآيات الدالة على نحو ما دلت عليه آية الأنعام المذكورة قوله تعالى: {إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ (( (( ( ... (( (( (( (( (( } [النحل: 100] ، فصرح بتوليهم للشيطان أي باتباع ما يزين لهم من الكفر والمعاصي مخالفًا لما جاءت به الرسل، ثم صرح بأن ذلك إشراك به في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} , وصرح أن الطاعة في ذلك الذي يشرعه الشيطان لهم ويزينه عبادة للشيطان.

ومعلوم أن من عبد الشيطان فقد أشرك بالرحمن؛ قال تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَن لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا} ، [يس: 60 - 62] , ويدخل فيهم متبعو نظام الشيطان دخولًا أوليًَّا: {أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ} [يس: 62] .

ثم بيَّن المصير الأخير لمن كان يعبد الشيطان في دار الدنيا، في قوله تعالى: {هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (63) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (64) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [يس: 63 - 65] .

وقال تعالى عن نبيه إبراهيم: {يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا} [مريم: 44] , فقوله: {لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ} : أي باتباع ما يشرعه من الكفر والمعاصي، مخالفا لما شرعه الله.

وقال تعالى: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا} [النساء: 117] . فقوله: {وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا} يعني ما يعبدون إلا شيطانا مريدًا.

وقوله تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (40) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ} [سبأ: 40 - 41] .

فقوله تعالى: {بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ} , أي يتبعون الشياطين ويطيعونهم فيما يشرعون ويزينون لهم من الكفر والمعاصي , على أصح التفسيرين.

والشيطان عالم بأن طاعتهم له المذكورة إشراك به كما صرح بذلك وتبرأ منهم في الآخرة، كما نص الله عليه في سورة ..."إبراهيم"في قوله تعالى: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِن اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ} إلى قوله: {إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ} [إبراهيم: 22] , فقد اعترف بأنهم كانوا مشركين به من قبل؛ أي في دار الدنيا، ولم يكفر بشركهم ذلك إلا يوم القيامة. ... =

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت