الصفحة 505 من 703

أَحَدُهَا: لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِعَقْدِ الْبَيْعَةِ لِوَلَدٍ وَلَا لِوَالِدٍ حَتَّى يُشَاوِرَ فِيهِ أَهْلَ الِاخْتِيَارِ فَيَرَوْنَهُ أَهْلًا لَهَا فَيَصِحُّ مِنْهُ حِينَئِذٍ عَقْدُ الْبَيْعَةِ لَهُ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْهُ تَزْكِيَةٌ لَهُ تَجْرِي مَجْرَى الشَّهَادَةِ؛ وَتَقْلِيدُهُ عَلَى

الْأُمَّةِ يَجْرِي مَجْرَى الْحُكْمِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ لِوَالِدٍ وَلَا لِوَلَدٍ وَلَا يَحْكُمَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلتُّهْمَةِ الْعَائِدَةِ إلَيْهِ بِمَا جُبِلَ مِنْ الْمَيْلِ إلَيْهِ. وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: يَجُوزُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِعَقْدِهَا لِوَلَدٍ وَوَالِدٍ لِأَنَّهُ أَمِيرُ الْأُمَّةِ نَافِذُ الْأَمْرِ لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ فَغَلَبَ حُكْمُ الْمَنْصِبِ عَلَى حُكْمِ النَّسَبِ وَلَمْ

يَجْعَلْ لِلتُّهْمَةِ طَرِيقًا عَلَى أَمَانَتِهِ وَلَا سَبِيلًا إلَى مُعَارَضَتِهِ وَصَارَ فِيهَا كَعَهْدِهِ بِهَا، وَهَلْ يَكُونُ رِضَا أَهْلِ الِاخْتِيَارِ بَعْدَ صِحَّةِ الْعَهْدِ مُعْتَبَرًا فِي لُزُومِهِ لِلْأُمَّةِ أَوْ لَا؟ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْوَجْهَيْنِ.

وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِعَقْدِ الْبَيْعَةِ لِوَالِدِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِهَا لِوَلَدِهِ؛ لِأَنَّ الطَّبْعَ يَبْعَثُ عَلَى مُمَايَلَةِ الْوَلَدِ أَكْثَرُ مِمَّا يَبْعَثُ عَلَى مُمَايَلَةِ الْوَالِدِ وَلِذَلِكَ كَانَ كُلُّ مَا يَقْتَنِيهِ فِي الْأَغْلَبِ مَذْخُورًا لِوَلَدِهِ دُونَ وَالِدِهِ

، فَأَمَّا

عَقْدُهَا لِأَخِيهِ وَمَنْ قَارَبَهُ مِنْ عَصَبَتِهِ وَمُنَاسِبِيهِ فَكَعَقْدِهَا لِلْبُعَدَاءِ

الْأَجَانِبِ فِي جَوَازِ تَفَرُّدِهِ بِهَا (، طبعة دار الفكر، ص: 6. &%$. إذن: فمعاوية حين عهد بالخلافة إلى يزيد، هناك من الفقهاء من قال بذلك، بالإضافة إلى أن معاوية

حصل له على موافقة أهل الحَل والعقد، فصارت بيعته بيعة صحيحة باتفاق أهل العلم. لكن على جميع الأحوال فمعاوية عندما عهد للأمر من بعده إلي يزيد،

أخذ البيعة له من أهل الحل والعقد في ذلك إلا أربعة من الأمة كلها: - عبد الله بن عمر حيث قال: إن بايع الناس فأنا واحد من الناس، وبايع بعد ذلك إلى يزيد بن

معاوية. - الحسين بن عليّ، وكان من أمره ما كان. - إلى مكة وكان كان وانتهي الأمر إلى قتله. بكر. هل

معاوية حين طلب البيعة لابنه يزيد فعل ذلك شهوة وخروجًا عن شريعة الله

؟ المسلمون عمر فُتحت عليهم أبوابٌ، ومعاوية خرج من الصراع العظيم - الذي كان بينه وبين عليّ بن أبي طالب - فالأمر يحتاج إلى حزم. ومُضَر كلها، وقريش كان أمرها إلي بني عبد مناف، وبنو عبد مناف كان أمرهم إلى بني أمية، فلو أن معاوية عهد

بالخلافة إلى ابنه يزيد، ستجد أن شوكة يزيد قوية؛ لأن معه القوة التي من أن يُطلَّ برأسه يريد الخلافة - هذا ما تصورته -. وبالضبط فإني تصورت أن معاوية عهد بالخلافة إلى ولده يزيد؛ لأن الظروف كانت لا تسمح إلا بذلك، فلما رَجَعْتُ إلى كلام أهل العلم - بفضل الله - عز وجل - - وَجَدْتُ أن الأمر كان على هذه الصفة كما ذكره ابن كثير في البداية والنهاية، وكما ذكره القاضي أبو بكر بن، وكما ذكره عبد الرحمن بن خُلدون في مقدمته، وكما أيده الشيخ محب الدين الخطيب ومحمد مهدي الإستانبولي. قال ابن كثير: وقد كان معاوية لمَّا صالح الحسن عَهِدَ للحسن بالأمر من بعده

، فلما مات الحسن قَوِيَ أمر يزيد عند معاوية، ورأى أنه لذلك أهلٌ [1] وذاك من شدة محبة الوالد لولده، ولِمَا كان يتوسم

فيه من النجابة الدنيوية، وسيما أولاد الملوك

ومعرفتهم بالحروب وترتيب الملك والقيام بأُبَّهته، وكان ظن أن لا يقوم أحد من أبناء

الصحابة في هذا المعنى، ولهذا قال لعبد الله

بن عمر فيما: إني خفت أن أذر الرعية من بعدي كالغنم المُطيَّرة ليس لها راع، فقال له ابن عمر: إذا

بايعه الناس كلهم بايعتُه ولو كان عبدًا مجدَّع الأطراف. وقد عاتب معاوية في ولايته يزيد، سعيد بن عثمان بن عفان وطلب منه أن يوليه مكانه، وقال له سعيد: إنَّ أبي

لم يزل معتنيًا بك حتى

بلغتَ ذروة المجد والشرف، وقد قدَّمْت وَلَدَكَ عليَّ وأنا خير منه أبًا وأمًا ونفسًا. فقال له: أمَّا ما ذَكَرْتَ من إحسان أبيك إليَّ فإنه أمر لا يُنكر، وأمَّا كون من أبيه فحق؛ وأمك قُرَشيِّة وأمه كلبية فهي خير منها، وأما كونك خيرًا منه فوالله لو ملئت إلى الغوطة رجالًا مثلك

لكان يزيد أحب إليَّ منكم كلكم. وروينا عن معاوية أنه: اللهم إن

كنتَ تعلمُ أنِّي وليتُه؛ لأنه فيما أراه أهل لذلك فأتممْ له ما وليتُه، وإن كنت وليتُه لأني أحبه فلا تتمم له ما وليته [2] . اهـ.

(1) - والذي أشار على معاوية بذلك هو المغيرة بن شعبة حيث

قال ابن كثير في البداية والنهاية:

فجاء المغيرة بن شعبة إلى يزيد بن معاوية فأشار عليه بأن يسأل من أبيه أن يكون ولي العهد، فسأل ذلك من أبيه فقال: من أمرك بهذا؟ قال: المغيرة، فَأَعْجَبَ ذلك معاوية من المغيرة ورده

إلى عمل الكوفة ... الخ.

(2) - البداية والنهاية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت