وبالفعل فقد بعث معاوية، يزيد بجيش إلى القسطنطينية ليدربه. قال القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب العواصم: فإن قيل: فقد عهد إلى يزيد وليس بأهل ... قال الشيخ محب الدين الخطيب في الهامش معلقًا: إن كان مقياس الأهلية لذلك أن يبلغ مبلغ أبي بكر وعمر في مجموع سجاياهما، فهذا ما لم يبلغه
في تاريخ الإسلام، ولا عمر بن عبد العزيز. وإن طمعنا بالمستحيل وقدَّرنا إمكان ظهور أبي بكر آخر وعمر آخر فلن تتاح له بيئة كالبيئة التي أتاحها الله لأبي بكر وعمر. وإن كان مقياس الأهلية: الاستقامة في السيرة، والقيام بحرمة الشريعة، والعمل بأحكامها، والعدل في الناس،
والنظر في مصالحهم، والجهاد في عدوهم، وتوسيع الآفاق لدعوتهم، والرفق بأفرادهم وجماعتهم، فإن يزيد يوم تمحص أخباره، ويقف الناس على حقيقة حاله كما كان في حياته، يتبين من
ذلك أنه لم يكن دون كثيرين ممن تَغَنَّى التاريخ بمحامدهم، وأجزل الثناء عليهم. قال القاضي: فلما قدم معاوية المدينة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه. ثم ذكر يزيد فقال: من أحق بهذه الأمر ... قال الشيخ محب الدين الخطيب في الهامش معلقًا: شباب قريش المعاصرون ليزيد - ممن يحدثون أنفسهم بولاية الأمر لبعض الاعتبارات التي عرفونها لأنفسهم - كثيرون جدًا، حتى سعيد بن عثمان بن عفان ومَن هم دون سعيد كان يطمعون بولاية الأمر من بعد معاوية. ومبدأ الشورى في انتخاب الخليفة أفضل بكثير من مبدأ ولاية العهد. لكن معاوية كان يعمل بينه وبين نفسه أَنَّ فَتْحَ باب الشورى في انتخاب مَن يَخْلُفُهُ سَيُحْدِثُ في الأمة الإسلامية مجزرة لا ترقأ فيها الدماء إلا بفناء كل ذي أهلية في قريش لولاية شيء من أمور هذه الأمة. ومعاوية أحصف من أن يَخفى عليه أن المزايا موزعة بين هؤلاء الشباب القرشيين، فإذا امتاز أحدهم بشيء منها، فإن فيهم من يمتاز عليه. غير أن يزيد مع مشاركته لبعضهم
في بعض ما يمتازون به يمتاز عليهم بأعظم ما تحتاج إليه الدولة، أعني القوة العسكرية التي تؤيده في تولي الخلافة، فتكون قوة للإسلام كما تؤيده إذا أوقع الشيطان الفتنة على هذا الكرسي بين المتزاحمين عليه، فيكون
ما لا يحب كل مسلم أن يكون. ولو
لم يكن ليزيد إلا أخواله من قضاعة وأحلافهم من قبائل اليمن، لكان منهم ما لا يجوز لبعيد النظر أن يسقطه من قائمة في هذه الأمور. أضف إلى هذا ما قرر كلامه على مسير الحسين إلى العراق للخروج