الصفحة 638 من 703

قال أبو عمر بن عبد البر: وقد ضلَّت جماعة من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة في هذا الباب فاحتجوا بهذه الآثار ومثلها في تكفير المذنبين.

واحتجوا من كتاب الله بآيات ليست على ظاهرها مثل قوله - عز وجل: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] ، وظاهر هذا يوجب إكفار أئمة الجور. قال الخارجي: وهذا قولنا.

وقال أبو حيَّان في تفسيره: واحتجت الخوارج لهذه الآية على أن كل مَن عصى الله تعالى فهو كافر.

ونقل القرطبي عن القُشَيْرِي قوله: ومذهب الخوارج أنَّ مَن ارتشى وحكم بغير حكم الله فهو كافر.

(( قال مقيده ) ):

هذا يُتصور في الحالة التي ذكرناها مرارًا، أنَّ هذا القاضي فرْضٌ عليه أن يُطبق وأن يحكمَ بين الناس بما أنزل الله لكنه تلاعب في مناط الحكم لرشوة أو قرابة أو هوى أو ما إلى ذلك - كما بيَّنه الأئمة مرارًا -.

وأنا أطالبك - وهذا من الممكن أن يكون واجبًا منزليًا - أن تتصفحَ كتب التفسير كلها عند قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} ؛ لتتبيَّن مراد ومقصد المفسرين من أن الخوارج احتجوا بهذه الآية في تكفير عصاة الموحدين كالزاني والسارق ... وما إلى ذلك.

لكن كل الذنوب على الإطلاق ما دامت تسمَّى ذنوبًا فهي تندرج تحت هذا الأمر. فعندنا حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - في الصحيحين، قلتُ يا رسول الله: أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ فقال: أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ ... [1] .

فالكفر ذنب، ما هي الطريقة التي سَلَكَهَا الخوارج في الاحتجاج في هذه الآية؟

وقد ذكرتُ في أثناء تعليقي على رسالته أن أبا محمد بن حزم ~ قال (( ما معناه ) ): نحن لا نحتج بهذه الآية، ولا بقوله تعالى: وَمَنْ {يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115] ؛ لأن الزاني - مثلًا - شاق

(1) - أخرجه البخاري (4207) في كتاب التفسير , سورة البقرة، وأطرافه [4483، 5655، 6426، 6468، 7082، 7094] , ومسلم (267) في كتاب الإيمان , باب: كَوْنِ الشِّرْكِ أَقْبَحَ الذُّنُوبِ وَبَيَانِ أَعْظَمِهَا بَعْدَهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت