الصفحة 73 من 703

انتفاءه، ومنها أن قوله: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ} نكرة في سياق الشرط تعم كل ما تنازع فيه المؤمنون من مسائل الدين دقه وجله، جليَّه وخفيه، ولو لم يكن في كتاب الله ورسوله بيان حكم ما تنازعوا فيه ولم يكن كافيًا، لم يأمر بالرد إليه؛ إذ من الممتنع أن يأمر تعالى بالرد عند النزاع إلى من لا يوجد عنده فصل النزاع. ومنها أن الناس أجمعوا على أن الرد إلى الله سبحانه وتعالى هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو الرد إليه نفسه في حياته وإلى سنته بعد وفاته. ومنها أنه جعل هذا الرد من موجبات الإيمان ولوازمه، فإذا انتفى هذا الرد، انتفى الإيمان ضرورة انتفاء الملزوم لانتفاء لازمه، ولاسيما التلازم بين هذين الأمرين فإنه من الطرفين وكل منهما ينتفي بانتفاء الآخر ثم أخبرهم أن هذا الرد خير لهم وأن عاقبته أحسن عاقبة، ثم أخبر سبحانه أن من تحاكم أو حاكم إلى غير ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقد حكَّم الطاغوت وتحاكم إليه. والطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فطاغوت كل قوم: من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله أو يعبدونه من دون الله أو يتبعونه على غير بصيرة من الله أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله. فهذه طواغيت العالم، إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم عَدَلوا عن عبادة الله إلى عبادة الطاغوت وعن التحاكم إلى الله وإلى الرسول إلى التحاكم إلى الطاغوت وعن طاعته ومتابعة رسوله إلى الطاغوت ومتابعته [1] ... أهـ.

تأمل كلام ابن القيم، وانظر إلى ما قاله ابن القوصي لتلاميذه الذين حصَّلوا من فنون الدنيا ما حصلوا، والمفترض أن لهم عقولًا يعقلون بها:

لو أننا كفَّرنا من حكم بغير ما أنزل الله، لزمنا أن نكفِّر الأئمة الأربعة؛ لأنهم حكموا بغير ما أنزل الله.

وهذا مقال جميل جدًا!!! تلقاه ابن القوصي بالجلوس عند ركب العلماء!

طبعًا فارق كبير جدًا بين الأمرين، وَلْنَسأل سؤالًا: إذا قلنا: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} : كفرٌ دون كفر، هل معنى هذا أن الأئمة الأربعة كفروا كفرًا دون كفر؟

وإن قلنا: الحكم بغير ما أنزل الله ظُلْمٌ وفسقٌ، هل الأئمةُ الأربعة وغيرهم: فسقوا وظلموا؟

سبحان الله!

(1) - إعلام الموقعين عن رب العالمين (1/ 50:49) طبعة دار الجيل - بيروت، تحت عنوان: المؤمنون لا يخرجهم تنازعهم عن الإيمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت