الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فإن مما يشهد بالقيمة الحضارية والثقافية لأمة ما، ما تحققه من مبادئ إنسانية زاهية، تتجاوز حدودها لتعم بإنسانيتها الآخرين، ولو خالفوا في الدين والجنس واللغة.
وقد اصطفى الله نبينا - صلى الله عليه وسلم - للرسالة، وجعله رحمة إلى الناس أجمعين {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} (الأنبياء: 107) ، فكانت رسالة الإسلام أول رسالة عالمية، تجاوزت حدود الزمان والمكان واللغة والجنس «وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثتُ إلى الناس عامة» [1] .
فرسالته - صلى الله عليه وسلم - هي الرسالة التي جعلها الله خاتمة الرسالات المهيمنة عليها، ودعا الناس إلى الإيمان بها، لأنها الحق الذي ارتضاه الله للبشرية دينًا {إن الدين عند الله الإسلام} (آل عمران: 19) {ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} (آل عمران: 85) .
لكن الله تبارك وتعالى شاء بمشيئته وحكمته أن يخلق الإنسان كائنا فريدًا متميزًا بالاختيار، فقدر سبحانه أن ينقسم الناس إلى مؤمن مصدق، وكافر جاحد {هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير} (التغابن: 2) ، ولو شاء الله لألزم الإنسانية دينه فطرة وقهرًا، فلا تملك في قبوله حولًا ولا طولًا، لكنه سبحانه وتعالى لم يشأ ذلك {ولو شاء ربك لجعل الناس أمةً واحدةً ولا يزالون مختلفين - إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم} (هود: 118 - 119) .
قال ابن كثير عن قول الله تبارك وتعالى {ولا يزالون مختلفين - إلا من رحم ربك} :"أي: ولا يزال الخلف بين الناس في أديانهم واعتقادات مللهم ونحلهم ومذاهبهم وآرائهم .." [2] .
إذًا فاختلاف الناس في أديانهم قدر الله وسنته الماضية في خلقه {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} (يوسف: 103) .
ولنا أن نتساءل عن مصير أولئك الذين آثروا إرث الأجداد على الهدي المستبان، وقالوا: {إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون} ، كيف يتعامل الإسلام مع هؤلاء؟ وكيف يحكم فيهم إذا سكنوا ربوعه وتفيؤوا ظلاله؟
وسنهدف للإجابة عن هذه الأسئلة من خلال دراسة نصوص الكتاب والسنة، وتبصر معانيها بهدي العلماء، فقهاء الأمة، وتطبيقات سلفنا الكرام خلال قرون الإسلام الظافرة التي سادوا فيها الدنيا، والتي كانت في مجملها جوابًا عمليًا عن هذه الأسئلة، فكانت اجتهاداتهم المشكورة تجسيدًا لنظام الإسلام العادل في التعامل مع غير المسلمين.
(1) أخرجه البخاري ح (335) ، ومسلم ح (1163) .
(2) تفسير القرآن العظيم (2/ 466) .