وفي مقابل هذه الدنانير المعدودات فإن المسلمين يلتزمون بالدفاع عن أهل الذمة وحمايتهم، ولو أدى ذلك إلى إزهاق أرواحهم في سبيل حماية أهل ذمتهم.
فقد ضمنه كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لربيعة الحضرمي، إذ يقول:"وأن نَصْرَ آل ذي مرحب على جماعة المسلمين، وأن أرضهم بريئة من الجور" [1] .
وبمثله ضمن عبادة بن الصامت للمقوقس عظيم القبط، حين قال:"نقاتل عنكم من ناوأكم وعرض لكم في شيء من أرضكم ودمائكم وأموالكم، ونقوم بذلك عنكم إن كنتم في ذمتنا، وكان لكم به عهد علينا ..." [2] .
وكتب خالد لأهل بعض النواحي في العراق:"فإن منعناكم فلنا الجزية، وإلا فلا حتى نمنعكم" [3] .
قال أبو الوليد الباجي:"وذلك أن الجزية إنما تؤخذ منهم على وجه العوض لإقامتهم في بلاد المسلمين والذب عنهم والحماية لهم" [4] .
وأكد فقهاء الإسلام على حق أهل الذمة بالحماية، واعتبروا قيام المسلمين به من الوفاء بالعهود الذي تحرسه الشريعة وتأمر به.
قال الماورديّ:"ويلتزم ـ أي الإمام ـ لهم ببذل حقَّين: أحدهما: الكفُّ عنهم. والثانِي: الحماية لهم، ليكونوا بالكفِّ آمنين، وبالحماية محروسين" [5] .
وقال النوويّ:"ويلزمنا الكفُّ عنهم، وضمان ما نُتلفه عليهم، نفسًا ومالًا، ودفعُ أهلِ الحرب عنهم" [6] .
قال ابن قدامة:"الجزية تجب على أهل الذمة في كل عام، وهي بدل عن النصرة" [7] .
وينقل القرافي عن ابن حزم إجماعًا للمسلمين لا تجد له نظيرًا عند أمة من الأمم، فيقول:"من كان في الذمة، وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه، وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح، ونموت دون ذلك، صونًا لمن هو في ذمة الله تعالى وذمة رسوله - صلى الله عليه وسلم -؛ فإن تسليمه دون ذلك إهمال لعقد الذمة"، ويعلق القرافي فيقول:"فعقد يؤدي إلى إتلاف النفوس والأموال صونًا لمقتضاه عن الضياع إنه لعظيم" [8] .
ولا يسقط واجب المسلمين بحماية أهل الذمة وهم في ديار الإسلام، بل يمتد إلى إطلاق أسراهم الذين غُلبنا عليهم، يقول ابن النجار الحنبلي:"يجب على الإمام حفظ أهل الذمة، ومنع من يؤذيهم، وفكُّ أسرهم، ودفع من قصدهم بأذى" [9] .
(1) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (1/ 266) .
(2) أخرجه ابن عبد الحكم في فتوح مصر وأخبارها، ص (68) .
(3) تاريخ الطبري (2/ 319) .
(4) المنتقى شرح موطأ مالك (2/ 175) .
(5) الأحكام السلطانية (143) .
(6) انظر: مغني المحتاج (4/ 253) .
(7) المغني (10/ 362) .
(8) الفروق، القرافي (3/ 20) .
(9) مطالب أولي النهى (2/ 602) .