تمتع غير المسلمين - المقيمون في بلاد المسلمين - بسلسلة من الضمانات التي منحها لهم المجتمع المسلم بهدي من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
ولسوف نعرض لأهم هذه الضمانات، ونوثقها بشهادة التاريخ ونصوص الفقهاء، حراس الشريعة، ورثة النبي - صلى الله عليه وسلم -.
أولًا: ضمان حرية المعتقد
يعتقد المسلمون أن دينهم هو الحق المبين، وأن ما عداه ديانات إلهية حُرفت ثم نُسخت بالإسلام، أو ضلالات وتخبطات أوجدها البشر جهلًا منهم بحقيقة الدين والمعتقد أو بغيًا وهوى، وأن كل ذلك يحيق بأصحابه عذاب النار.
وقد أشفق المسلمون على إخوانهم في البشرية من هذا المصير المؤلم، وعملوا جهدهم على استنقاذهم منه ومن دياجير العيش في ظلال الكفر، ولم يدخروا جهدًا في استمالة الأمم والشعوب التي اختلطوا بها إلى الإسلام، وذلك بما آتاهم الله من حجة ظاهرة وخلق قويم ودين ميسر تقبله الفطر، ولا تستغلق عن فهم مبادئه العقولُ.
ولم يعمد المسلمون طوال تاريخهم الحضاري العظيم إلى إجبار الشعوب أو الأفراد الذين تحت ولايتهم، وذلك تطبيقًا لمجموعة من المبادئ الإسلامية التي رسخت فيهم هذا السلوك:
أً. حتمية الخلاف وطبيعته
إن التعدّد في المخلوقات وتنوّعها سنة الله في الكون وناموسه الثابت، فطبيعة الوجود في الكون أساسها التّنوّع والتّعدّد.
والإنسانية خلقها الله وفق هذه السنة الكونية، فاختلف البشر إلى أجناس مختلفة وطبائع شتى، وكلّ من تجاهل وتجاوز أو رفض هذه السُّنة الماضية لله في خلقه، فقد ناقض الفطرة وأنكر المحسوس.
واختلاف البشر في شرائعهم هو أيضًا واقع بمشيئة الله تعالى الكونية ومرتبط بحكمته، يقول الله: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعًا} (المائدة: 48) .
قال ابن كثير:"هذا إخبار عن الأمم المختلفة الأديان باعتبار ما بعث الله به رسله الكرام من الشرائع المختلفة في الأحكام المتفقة في التوحيد" [1] .
(1) تفسير القرآن العظيم (2/ 67) .