الصفحة 4 من 54

قبل الشروع في تبيان حكم الإسلام في غير المسلمين المقيمين في بلاد المسلمين أرى ضرورة التعريف بأنواعهم وتبيان الملامح الرئيسة والأحكام العامة لكل منهم.

الكفر: وصف يشمل كل من كذب الرسول عليه الصلاة والسلام، في شيء مما جاء به، أو صدقه وامتنع عن الدخول في الإسلام، يقول ابن تيمية:"الكفر يكون بتكذيب الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيما أخبر به، أو الامتناع عن متابعته مع العلم بصدقه، مثل كفر فرعون واليهود ونحوهم" [1] . فالمقصود به من سوى المسلمين من أهل الملل والأديان؛ سواء كانت كتابية أو وثنية؛ فإن حكم الكفر يشملهم جميعًا؛ إذ لا فرق - وفق الرؤية الإسلامية - بين من يعبد العجل ومن يعبد المسيح؛ إذ كلاهما عبد غيرَ الله، ووقع في الشرك والكفر الذي توعد المسيح عليه الصلاة والسلام فاعله بالنار: {وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصارٍ} (المائدة: 72) .

ولا يشكلنَّ على القارئ لآيات القرآن ما يجده من خطاب قرآني رقيق مع أهل الكتاب يميزهم به عن غيرهم من إخوانهم من أهل الشرك، فيظن أن نداءه لهم {يا أهل الكتاب} شهادة لهم بالإيمان، من وهِم ذلك فهو جاهل بطريقة القرآن في الخطاب مع غير المسلمين، إذ لم يرد في القرآن: (يا أيها الذين كفروا) إلا في تصوير حالهم في الآخرة، حين يناديهم الله {يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون} (التحريم: 7) ، وورد مثله صريحًا في مفاصلة المشركين {قل يا أيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون} (الكافرون: 1 - 2) ، إذ لم يكن من أدب الإسلام أن يخاطب من استيقن كفره بقوله: (يا كافر) . قال الله تعالى: {وقولوا للناس حسنًا} (البقرة: 83) .

وكذلك فإن نداء القرآن {يا أهل الكتاب} يفيد في غاية مقصده أنهم قوم نزل فيهم كتاب من كتب الله، ولا يفيد إيمانهم، ولا حتى سلامة كتبهم - التي يناديهم باسمها - من التحريف والتبديل، ومن ظن أن هذا الخطاب القرآني يلحقهم بالمؤمنين، فقد جهل أصول الإسلام التي صرحت بكفر أهل الكتاب كما في قوله تعالى: {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة} (البينة: 1) .

(1) درء تعارض العقل والنقل (1/ 242) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت