قال القرافي:"عقد الذمة يوجب حقوقًا علينا لهم، لأنهم في جوارنا وفي خفارتنا وذمة الله تعالى وذمة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ودين الإسلام، فمن اعتدى عليهم ولو بكلمة سوء أو غيبة في عِرْض أحدهم، أو نوع من أنواع الأذية، أو أعان على ذلك؛ فقد ضيع ذمة الله تعالى وذمة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وذمة دين الإسلام" [1] .
وشواهد عدل المسلمين مع أهل ذمتهم كثيرة، منها العدل معهم في خصومتهم مع الخلفاء والأمراء، ومنه خصومة الخليفة علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - مع يهودي في درعه التي فقدها ثم وجدها عند يهودي، فاحتكما إلى شريح القاضي، فحكم بها لليهودي، فأسلم اليهودي وقال:"أما إني أشهد أن هذه أحكام أنبياء! أمير المؤمنين يدينني إلى قاضيه، فيقضي لي عليه! أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، الدرع درعك يا أمير المؤمنين، اتبعت الجيش وأنت منطلق من صفين، فخرجت من بعيرك الأورق". فقال علي - رضي الله عنه: أما إذ أسلمت فهي لك [2] .
ومنه أيضًا قصة القبطي مع عمرو بن العاص والي مصر وابنه، وقد اقتص الخليفة للقبطي في مظلمته، وقال مقولته التي أضحت مثلًا:"يا عمرو، متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟" [3] .
ولما كان ابن رواحة - رضي الله عنه - يخرص ليهود خيبر حاولوا رشوته فأبى، وقال: (وليس يحملني بغضي إياكم على أن أحيف عليكم، قد خرصت عشرين ألف وسق من تمر، فإن شئتم فلكم، وإن أبيتم فلي) . فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض، قد أخذنا، فاخرجوا عنا [4] .
ومن عجيب الأخبار، أخبار عدل الخلفاء مع أهل ذمة الله ورسوله والمؤمنين؛ أن عمير بن سعد - رضي الله عنه - ترك ولاية حمص لإساءته إلى ذمي، فقد قال للخليفة مستعتبًا عن الرجوع إلى الإمارة: (إن ذلك لسيء، لا عملت لك، ولا لأحد بعدك، والله ما سلِمت، بل لم أسلم، قلت لنصراني: أخزاك الله، فهذا ما عرضتني به يا عمر، وإن أشقى أيامي يومًا خلفت معك يا عمر) ، ولم يجد الخليفة بُدًا من قبول هذه الاستقالة، فتقبلها على مضض وهو يقول: (وددت أن لي رجلًا مثل عمير بن سعد استعين به على أعمال المسلمين) [5] .
وفي تاريخ دمشق أن عميرًا - رضي الله عنه - قال للخليفة عمر:"فما يؤمنني أن يكون محمد - صلى الله عليه وسلم - خصمي يوم القيامة، ومن خاصمه خصمه" [6] .
ولما ولي أمير العدل عمر بن عبد العزيز أمر مناديه أن ينادي: ألا من كانت له مظلمة فليرفعها، فقام إليه رجل ذمي يشكو الأمير العباس بن الوليد بن عبد الملك في ضيعة له أقطعها الوليد لحفيده العباس، فحكم له الخليفة بالضيعة، فردها عليه [7] .
(1) الفروق، ص (3/ 20) .
(2) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (4/ 141) ، بإسناد ضعيف، وانظر: البداية والنهاية (8/ 4 - 5) .
(3) انظر: تاريخ عمر، ابن الجوزي، ص (129 - 130) ، وانظر فتوح مصر، لابن الحكم، ص (195) .
(4) أخرجه أحمد ح (14526) .
(5) القصة رواها الطبراني في معجمه الكبير (17/ 52) ، وأبو نعيم في الحلية (1/ 248) ، قال الهيثمي:"أخرجه الطبراني، وفيه عبد الملك بن إبراهيم بن عنترة، وهو متروك". مجمع الزوائد (9/ 383) ، ويشهد له خبر ابن عساكر الذي بعده.
(6) ذكره ابن عساكر في تاريخ دمشق (46/ 493) ، والمتقي الهندي في كنز العمال ح (37446) .
(7) انظر: صفة الصفوة (2/ 115 - 116) ، والبداية والنهاية (9/ 213 - 214) .