لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَلَا يُعْتَقَدُ أَنَّهُ لَا يَرَاهَا إِلَّا مَنْ رَأَى الْخَوَارِقَ، بَلْ فَضْلُ اللَّهِ وَاسِعٌ، وَرُبَّ قَائِمٍ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهَا إِلَّا عَلَى الْعِبَادَةِ مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةِ خَارِقٍ، وَآخَرُ رَأَى الْخَوَارِقَ بِلَا عِبَادَةٍ، وَالَّذِي حَصَلَ لَهُ الْعِبَادَةُ أَفْضَلُ، وَالْعِبْرَةُ إِنَّمَا هِيَ بِالِاسْتِقَامَةِ لِاسْتِحَالَةِ أَنْ تَكُونَ إِلَّا كَرَامَةً بِخِلَافِ الْخَارِقِ فَقَدْ يَقَعُ كَرَامَةً وَقَدْ يَقَعُ فِتْنَةً انْتَهَى.
وَقَدْ وَرَدَ لَهَا عَلَامَاتٌ أَكْثَرُهَا لَا تَقَعُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ تَمْضِيَ، مِنْهَا مَا فِي مُسْلِمٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ:"أَنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ فِي صَبِيحَتِهَا لَا شُعَاعَ لَهَا"، وَلِأَحْمَدَ عَنْهُ: مِثْلَ الطَّسْتِ.
وَلَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: مِثْلَ الطَّسْتِ صَافِيَةً.
وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا:"لَيْلَةُ الْقَدْرِ طَلْقَةٌ لَا حَارَةٌ وَلَا بَارِدَةٌ، تُصْبِحُ الشَّمْسُ يَوْمَهَا حَمْرَاءَ ضَعِيفَةً"، وَلِأَحْمَدَ عَنْ عُبَادَةَ مَرْفُوعًا:"أَنَّهَا صَافِيَةٌ بَلْجَةٌ كَأَنَّ فِيهَا قَمَرًا سَاطِعًا صَاحِيَةٌ لَا حَرَّ فِيهَا وَلَا بَرْدَ، وَلَا يَحِلُّ لِكَوْكَبٍ يُرْمَى بِهِ فِيهَا، وَإِنَّ أَمَارَاتِهَا أَنَّ الشَّمْسَ فِي صَبِيحَتِهَا تَخْرُجُ مُسْتَوِيَةً لَيْسَ فِيهَا شُعَاعٌ مِثْلَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَلَا يَحِلُّ لِلشَّيْطَانِ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا يَوْمَئِذٍ"، وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ:"أَنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ كُلَّ يَوْمٍ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ إِلَّا صَبِيحَةَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ"، وَلَهُ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا:"لَيْلَةُ الْقَدْرِ طَلْقَةٌ بَلْجَةٌ لَا حَارَّةٌ وَلَا بَارِدَةٌ، تُضِيءُ كَوَاكِبُهَا، وَلَا يَخْرُجُ شَيْطَانُهَا حَتَّى يُضِيءَ فَجْرُهَا"، وَلَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا:"أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ أَكْثَرُ فِي الْأَرْضِ مِنْ عَدَدِ الْحَصَى"، وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ:"لَا يُرْسَلُ فِيهَا شَيْطَانٌ وَلَا يَحْدُثُ فِيهَا دَاءٌ"، وَعَنِ الضَّحَّاكِ:"يَقْبَلُ اللَّهُ التَّوْبَةَ فِيهَا مِنْ كُلِّ تَائِبٍ، وَهِيَ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى طُلُوعِهَا"، وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ عَنْ قَوْمٍ أَنَّ الْأَشْجَارَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ تَسْقُطُ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ تَعُودُ إِلَى مَنَابِتِهَا، وَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَسْجُدُ فِيهَا.
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي لُبَابَةَ أَنَّ الْمِيَاهَ الْمَالِحَةَ تَعْذُبُ لَيْلَتَهَا.
وَلِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ زُهْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ نَحْوَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَأَسْأَلُهُ الْعَوْنَ عَلَى التَّمَامِ خَالِصًا لِوَجْهِهِ، مُقَرِّبًا إِلَى دَارِ السَّلَامِ، مُتَوَسِّلًا بِحَبِيبِهِ خَيْرِ الْأَنَامِ.