فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 1154 من 36903

قال المعلمي اليماني في كتابه التنكيل (1\ 67) :"وكان ابن معين إذا لقي في رحلته شيخًا فسمع منه مجلسًا، أو ورد بغدادَ شيخٌ فسمع منه مجلسًا، فرأى تلك الأحاديث مستقيمة، ثم سُئِلَ عن الشيخ وثَّقه! وقد يتفق أن يكون الشيخ دجَّالًا استقبل ابنَ معين بأحاديث صحيحة، ويكون قد خلط قبل ذلك أو يخلط بعد ذلك. ذكر ابن الجنيد أنه سأل ابنَ معين عن محمد بن كثير القرشي الكوفي فقال:"ما كان به بأس" (وهو توثيق باصطلاحه) . فحكى له أحاديث تُستنكر، فقال ابن معين:"فإن كان هذا الشيخ روى هذا فهو كذَّاب، وإلا فإني رأيتُ حديث الشيخ مستقيمًا"". قلت: وهذا سبب الاختلاف الكبير الذي نجده أحيانًا في أحكام ابن معين على الرجال.

وألحق السخاوي (كما في فتح المغيث) الدارقطني والبزار في توثيق المجهول إذا روى عنه اثنان كما يفعل ابن خزيمة وابن حبان. أما البزار فقد عُلِم تساهله. والدارقطني وجدته كذلك: يوثق أحيانًا تابعين مجاهيل قليلي الحديث لم يوثقهم أحدٌ قبله. بل إن الدارقطني نص على ذلك في سننه (3/ 174) .

أما أغلب علماء الحديث فلا يوثقون أحدًا حتى يطلعون على عدة أحاديث له تكون مستقيمة، و تكثر حتى يغلب على ظنه أن الاستقامة كانت ملَكةً لذلك الراوي. ولذلك تجد البخاري دقيقٌ جدًا في أحكامه، وإلا سكت عن الرجل. فإذا جاءك الحكم من البخاري بالتوثيق أو التضعيف فحسبُكَ به. وكذلك كان أبو حاتم شديدٌ في نخل الروايات. فإن لم يجتمع له عدد كافٍ لإصدار حكم على الراوي فإنه قد يسميه شيخًا أو يسكت عنه عادةً.

المشكلة يا شيخنا أننا لا يمكن أن نعرف قوة ضبط الراوي إلا بمقارنة حديثه مع حديث غيره. فإن كان له حديث كثير، يكون الحكم عليه ممكنًا ودقيقًا. لكن المشكلة فيمن لم تكن له إلا بضعة أحاديث تفرد بها.

فبالله عليك كيف نعرف إن كان ضابطًا أم لا؟

نعم، الأصل في المسلمين العدالة، لكن الكلام على الضبط. النسائي مثلًا مشهورٌ عنه أنه متشدد. لكني وجدت أن ذلك في كثير الحديث فقط.

لكنه متساهل جدًا في توثيق المجاهيل حتى ممن لم يرو عنه إلا واحد. وهو بذلك يشابه ابن حبان كثيرًا. قال الذهبي في الموقظة". وقد أجد الراوي من الطبقة الثالثة مثلًا يقول عنه ابن المديني أنه مجهول لم يرو عنه إلا واحد. وأجد النسائي (على تأخر زمنه النسبي) قد وثقه أو قال لا بأس فيه. مع أنه ليس له إلا بضعة أحاديث عن تابعي واحد، ولم يرو عنه إلا رجل واحد. وابن سعد كثيرًا ما يوثق الراوي رغم قلة حديثه (باعترافه) . وقد أجد وصف حال هذا الراوي مطابقة لقول شيخه الواقدي، أي أنه قد اعتمد بتوثيقه على قول الواقدي المتروك. ولطالما نبه ابن حجر على ذلك."

وقال في مقدمة فتح الباري (1\ 443) :"ابن سعد يقلد الواقدي. والواقدي على طريقة أهل المدينة في الانحراف على أهل العراق".

والمشكلة هو ماذا نفعل فيمن يوثقهم إلا هؤلاء؟! ثم إني قد وجدت اضطرابًا في منهج هؤلاء أيضًا. فقد رأيت الحافظ الدارقطني - رحمه الله- يجهّل العالية امرأة أبي إسحاق السبيعي (رغم رواية زوجها وابنها عنها وهما من هما) ، لأنها تنقل خبرًا يعارض مذهبه الشافعي. وقد رد عليه ابن الجوزي. لكنه في المقابل يوثق رجلًا مجهولًا لم يرو عنه إلا مكحول وليس له إلا حديث واحد في القراءة خلف الإمام (وهو المذهب الشافعي) رغم أن خبره شاذ.

ولا ريب أنه لم يفعل ذلك عن قصد منه. ونحن نأخذ أفعال علماء المسلمين على أحسن محمل. فكيف بأمير المؤمنين في الحديث في عصره؟ لكنه غير معصوم أيضًا على أن يخالف مذهبه في التوثيق الذي نص عليه.

إجمالًا فالمشكل في هذه المسألة أني وجدت الكثير من هؤلاء الرواة لم يوثقهم إلا من كان من أصحاب المذهب الثاني. بعض هؤلاء هم مجاهيل فعلًا (إما نص واحد على ذلك، أو لم يكن له إلا بضعة أحاديث ولم يرو عنه إلا واحد) . لكن من هؤلاء من أخرج له مسلم في صحيحه، خاصة من قدماء التابعين. فهذا هو الذي يجعلني أحتار كثيرًا في أحاديث هؤلاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت