الكاهن أكرمهم ونحر لهم، فلما أكلوا قال عتبة إنا قد جئناك في أمر وقد خبأت لك خبيئا أختبرك به فانظر ما هو فقال: تمرة في كمرة، فقال له عتبة؟ أريد أبين من هذا. قال: حبة بر، في إحليل مهر، قال: صدقت، فانظر في أمر هؤلاء النسوة. فجعل يدنو من إحداهن ويضرب كتفها ويقول: انهضي، حتى دنا من هند، فضرب على كتفها، وقال: انهضي غير رسحاء [1] ولا زانية، ولتلدن ملكا يقال له معاوية: فوثب إليها الفاكه، فأخذ بيدها وقال لها: ارجعي إلى بيتك، فنترت يدها من يده، وقالت: إليك عني فو الله إني لأحرص أن يكون من غيرك، فتزوجها أبو سفيان فجاءت بمعاوية.
خرج خمسة نفر من طيّىء من ذوي الحجا والرأي، منهم برج بن مسهر، وهو أحد المعمّرين، وأنيف بن حارثة بن لأم، وعبد الله بن الحشرج أبو حاتم طيىء، ومارق الشاعر، ومرّة عبد رضى، يريدون سواد بن قارب الدوسي، ليمتحنوا علمه، فلما قربوا من السّراة، قالوا: ليخبأ كلّ رجل منكم خبيئا، ولا يخبر به صاحبه، لنسأله عنه، فإن أصاب عرفنا علمه، وإن أخطأ ارتحلنا عنه، فخبأ كل واحد منهم خبيئا ثم صاروا إليه، فأهدوا له إبلا وطرفا من طرف الحيرة، فضرب عليهم قبة، ونحر لهم، فلما مضت ثلاث دعا بهم فدخلوا عليه، فتكلّم برج وكان أسنّهم فقال: «جادك السحاب، وأمرع لك الجناب، وضفت عليك النّعم الرّغاب [2] ، ونحن أولو الآكال [3] والحدائق والأغيال [4]
والنّعم الجفال [5] ، ونحن أصهار الأملاك، وفرسان العراك». يورّي عنه أنهم من بكر بن وائل. فقال سواد: «والسماء والأرض، والغمر [6] والبرض [7]
والفرض [8] والقرض، إنكم لأهل الهضاب الشّم، والنخيل العمّ، والصخور
(1) الرّسح، محركة: قلّة لحم العجز والفخذين، وكل ذئب: أرسح، لخفة وركية، والرسحاء:
القبيحة.
(2) الرغاب: جمع رغيبة، وهي الواسعة الكثيرة.
(3) الآكال: جمع أكل، بضم الهمزة، وهو الرزق والحظ من الدنيا.
(4) الأغيال: جمع غيل، وهو الماء الجاري.
(5) الجفال: الكثيرة الوفيرة.
(6) الغمر: الماء الكثير.
(7) البرض: الماء القليل.
(8) الفرض: ما فرضته على نفسك من جود.